أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء
نَبِي اللهِ مُوْسَىْ(ع)

نَبِي اللهِ مُوْسَىْ(ع)
هو ثالث أنبياء العزم، وأحد أحفاد يعقوب بن إسحق، ويفصل بينه وبين إبراهيم قرون عديدة، وهو أول رسول أُرسل إلى بني إسرائيل لأنه جاءهم قبله أنبياء لم يكونوا رسلاً، وهناك فرق بين الرسول والنبي.
قال تعالى(إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وموسى وهارون من آل عمران الذين اصطفاهم ربهم وجعلهم أنبياء يُهتدى بهم في ظلمات الحياة.
لقد كان موسى أفضل من أخيه هارون، ولذلك اتخذه الله نبياً ورسولاً قبل أن يتخذ أخاه هارون الذي كان أفصح لساناً من موسى حيث ذكر التاريخ بأن لسان موسى كان فيه عقدة، ولم تشكّل هذه العقدة عقبة في تنفيذ المهمات التي كلفه ربه بها.
ويُعتبر موسى(ع) من أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم، فلقد ذكر الله قضيته في أكثر من عشرين سورة مما يكشف لنا وبكل وضوح عن أهمية أحداثها وقيمة ما ورد فيها مما يَصلح أن يكون دروساً للأمم عبر الزمن، وقد لمس العالَم كله منذ أكثر من خمسين سنة من تاريخنا الحالي السر من وراء كثرة ذكر موسى الذي أرسله ربه إلى بني إسرائيل الذين خرج منهم شعب جشع وطامع في سرقة الثروات والتسلط والغطرسة والقتل والتشريد وغير ذلك مما يضيق الوقت بذكره، فليس عملهم هذا ببعيد عما فعلوا بموسى وعيسى وخاتم النبيين وغيرهم من الأنبياء، فلقد كان اليهود يتغنَّون بقتل الأنبياء، وقد ورد في التاريخ الصحيح أنهم في ليلة واحدة قتلوا سبعين نبياً من أنبياء الله، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك حيث يقول(فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) وفي آية أخرى(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
ونحن في هذه الأيام الحرجة بأمس الحاجة إلى معرفة جميع التفاصيل الخاصة بهم وقراءة تاريخهم منذ البداية لنعرف كيف يفكرون وبأية طريقة يتعاملون، فإننا إذا لم نعرف ذلك لم نستطع الوقوف في وجوه أهل الضلال على اختلاف مذاهبهم ولغاتهم.
لقد فعلوا بموسى ما تشمئز النفس بذكره، ولكنه صبر عليهم رغم أن الله تعالى في البداية فضّلهم على العالمين ورفع عنهم العذاب مرات عديدة وأنزل عليهم المن والسلوى وأحيا لهم الأموات وأنزل لهم من السماء خيرات لا يحصى لها عدد، وهم يشاهدون المعجزات ويرون الآيات، ورغم ذلك رجعوا كفاراً وماتوا على الكفر بل ازدادوا عناداً وفسوقاً وورّثوا أبناءهم هذا الحقد الذي به يفتعلون المجازر يومياً ويزرعون الفتن بين الناس.
لقد اتخذ الله موسى رسولاً وجعله آية للعالمين، وقد ذكر اصطفاءه في القرآن الكريم هو وأخوه أكثر من مرة، وسوف أذكر لكم هنا بعض الآيات لنبدأ بالقصة التفصيلية في البحوث القادمة، قال تعالى في سورة الصافات(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ)
وفي سورة هود قال تعالى(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)
وفي سورة إبراهيم(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)
وهناك عشرات الآيات التي تتحدث عن إرسال موسى وبيان شأنه الرفيع عند الله سبحانه وتعالى.
مُوْسَى وَهَاْرُوْنُ وَفِرْعَوْنُ وَهَاْمَانُ
إن قضية موسى(ع) في غاية الأهمية، وهي من القصص القرآنية الطويلة التي لا يمكن بيان تفاصيلها عن طريق الإيجاز، لأن فيها من الدروس والعبر ما يطول الكلام ببيانه، ونحن نسعى من وراء هذه البحوث إلى وضع الإصبع على النقاط الهامة من دون أن نهمل أي جانب، لأنه قد يكون الأمر الهام هاماً في نظري وليس كذلك في نظر الغير أو العكس، وهنا ينبغي أن أنزل عند رغبتهم كما ينزل الكثيرون منهم عند رغبتي في خصوص بعض البحوث من حيث التعمق أو السطحية في البيان، وهذا من أهم العوامل التي تدفع بنا إلى الإحاطة بجميع التفاصيل كيلا يفوتنا شيء من الفائدة.
أَبْطَاْلُ القِصةِ
وهم موسى وهارون وأم موسى وأخته وزوجة فرعون والخضر والمعجزات وفرعون وهامان والسامري والسحرة وأتباع كل واحد من المذكورين.
أما موسى(ع): فهو رسول الله إلى بني إسرائيل وهو أول رسول إليهم حيث شهدوا قبله أنبياء ولم يشهدوا رسلاً، وقد اختاره ربه للرسالة واصطفاه من بين خلقه وفي ذلك قال تعالى في سورة طه(وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) وقد مثّل موسى في هذه القصة طرف الخير في مقابل رموز الشر وفي مقدمتهم فرعون، وقد كان موسى معقود اللسان أي أنه كان ثقيلاً على عكس الطبيعة، وهذه الإعاقة لم تقف حائلاً بينه وبين تنفيذ المهمة إذ لو كانت مانعة من الوصل إلى الهدف لشفاه الله منها، ولكن يوجد من ورائها حكمة فإن الذي يأتي بالمعجزات ويحيي الموتى بإذن الله ليس من الصعب عليه أن يدعو ربه بحل تلك العقدة، ولكنه تعالى أبقاها لحكمة منه نحن لا نعلمها.
وأما هارون: فهو أخو موسى ووزيره، وهو يشكّل الطرف الثاني من جهة الخير في هذه القصة وقد اصطفاه ربه وجعله نبياً، وقد صرَّح القرآن الكريم بأن موسى(ع) طلب من الله عز وجل أن يرسل معه أخاه هارون لأنه أفصح لساناً فاتخذه الله نبياً وأرسلهما معاً إلى بني إسرائيل.
وأما أم موسى: فلقد كان لها دور بارز في هذه القضية، وقد جعلها الله عبرة للنساء المجاهدات الصابرات.
وأما أخت موسى: فلقد شاركت في العملية وعرّضت نفسها لخطر زبانية فرعون وذلك عندما راحت تراقب التابوت الذي فيه موسى.
وأما آسية بنت مزاحم: فهي زوجة فرعون التي استفدنا منها عبرة كبيرة حيث جعلها ربها آية للناس ومثلاً أعلى للنساء اللواتي يرضَين بالكفر بحجة أن أزواجهن يجبرونهن على الكفر، وقد ذكر الله تعالى هذا في كتابه المجيد حيث يقول(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
وأما الخضر: فهو ذاك العبد الصالح الذي كان يعلم من الله ما لم يعلمه موسى(ع) رغم كون موسى رسولاً ومن أنبياء العزم.
وأما المعجزات: فلقد كانت كثيرة للغاية مما يدلنا على حجم العناد الذي كان عليه بنوا إسرائيل، ولقد كانت المعجزات موضعاً للإمتحان وإلقاء الحجة على المعاندين من بني إسرائيل.
وأما فرعون: فهو رأس الحربة، وهو ذلك الظالم الطاغي الذي استعبد الناس وظلمهم وفرض عليهم أن يعبدوه من دون الله مدعياً أنه الإله الوحيد لهم وأن ما جاء موسى إنما هو السحر.
وأما هامان: فهو الموسوس لفرعون ومعينه على ظلمه، وهو الذي كان يملي عليه ألوان الظلم وأنواعه ويحركه نحوه ويشجعه عليه ويمهد له الطريق.
وأما السامري: فهو الذي استغل سفر موسى وغيابه عن الناس فصنع عجلاً مميزاً ليشجع المؤمنين على اتخاذ إلهٍ يرونه ويسمعونه.
وأما السحرة: فكان لهم دور فعال في تثبيت الحق، وذلك من خلال سجودهم عند رؤية المعجزة وإقرارهم السريع بصدق ما جاء به موسى من عند ربه.
المُشَابَهَةُ بَيْنَ قَصَصِ الأَنْبِيَاءِ وَنَشْأَةُ مُوْسَى(ع)
قد يكون هناك وجوه مشابهة بين قصة وقصة أخرى كما شابهت بداية حياة إبراهيم بداية حياة يوسف وموسى، ووجه المشابهة في قصصهم هو الرؤيا التي ابتدأت بها حياة كل واحد منهم، ففي زمن خليل الله إبراهيم رأى الحاكم الظالم نمرود رؤيا عجيبة استيقظ وهو خائف منها ففسرها المنجمون بأن مولوداً سوف يخرج إلى هذه الحياة ويقضي عليك وعلى سلطانك فأمر النمرود بقتل كل مولود ذكر يوم ولادته فأخفت أم إبراهيم حملها ووضعته في كهف بعيد ولم يخرج منه إلا بعد سنوات طويلة من زمن الولادة، وفي زمن يوسف بدأت حياته الطويلة من خلال تلك الرؤيا التي قصها على أبيه يعقوب الذي طلب من ولده إخفاءها عن أخوته خوفاً عليه، وفي زمن موسى(ع) حصل ما حصل في عهد إبراهيم حيث رأى فرعون في منامه كأن ناراً أقبلت عليه من بيت المقدس وأحرقت بيوت مصر، وعندما استيقظ دعا المنجمين إلى تفسير رؤياه ففسروها بأنه سوف يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، فسألهم هل وُلد هذا المولود فقالوا لم يولد بعد ولكن ولادته أصبحت قريبة، فأمر جميع القابلات بأن يقتلن كل مولود ذكر، وقد نفّذ هذا الأمر بشدة وإتقان، ولكنه مهما صنع وفعل واحتاط فلا يستطيع أن يقف في وجه الإرادة الإلهية التي إذا أرادت أمراً فإنه لا محالة سوف يحصل، لقد ظن فرعون بأنه سوف ينهي هذه المشكلة إذا اتخذ قراره الظالم، وهو غافل عن قدرة الله ومشيئته، تلك القدرة التي حفظت إبراهيم ويوسف وغيرهما من الأنبياء من ظلم الظالمين، ولا شك بأن فرعون كان على اطلاع واسع للتاريخ وبالأخص تواريخ الملوك الذين هلكوا على أيدي الأنبياء، فلم يكن حكيماً في تصرفه، وإنما تسرع وارتكب آلاف الجرائم الإضافية فوق جرائمه حيث قتل من الأولاد ما لا يحصى له عدد، ورغم كل تلك الجرائم لم يصل فرعون إلى مراده ولم يتخلص ممن سوف يكون زوال سلطانه على يديه، بل الأغرب في الأمر أنه لم تغب عنه ولادة موسى فحسب وإنما جرفته المياه إلى داره، ولقد كان وصول موسى إلى دار فرعون بهذه الطريقة لأكبر دليل على كونه الولد المقصود، غير أن حكمة الله تعالى أرادت أن يُحفظ موسى من القتل ليحصل ما حصل في نهاية المطاف.
تَعْدِيْلُ القَرَارِ الظالِم
وقد استمر هذا الوضع سنوات طويلة حتى خشي بنوا إسرائيل على أنفسهم الفناء فأقبلوا إلى فرعون يعرضون عليه الأمر لأنه إذا استمر قرار القتل فسوف يموت الشيوخ ولا ينشأ بعدهم جيل يحمل إسمهم وصفاتهم ومعتقداتهم فرجع فرعون عن قراره الأول مستبدلاً إياه بقرار أخف حدة وشدة، وهو أن يسري الأمر عاماً ويتوقف عاماً، وقد صادف أن هارون(ع) ولد في العام الذي مُنع فيه القتل.
وِلادَةُ مُوْسَى(ع)
وأما موسى فلقد ولد في عام سريان القرار وكانت أمه عند الحمل به قد خافت خوفاً شديداً، وعند الولادة وضعت موسى وكان فيه سر غامض، وهو أنه لم يره أحد إلا أحبه وتعلق به فطلبت أم موسى من القابلة أن تخفي الأمر عن حراس فرعون الذين كانوا ينتظرونها خارج الدار فرقق الله تعالى بقدرته قلب القابلة فخرجت إلى الحراس وقالت لهم لم يكن ما في بطنها حمل وإنما كان دم جامد فصدقوها ورجعوا.
فاطمأنت أم موسى وراحت ترضعه داخل المنزل وتحطاط من الزوار والمارين بقرب المنزل وقد بقي الأمر مخفياً حوالي ثلاثة أشهر إلى أن رآه أحد المارة عن طريق الصدفة فذهب إلى الذباحين مسرعاً وأخبرهم بالأمر فأسرعوا إلى دار أم موسى لذبح الولد ومعاقبة أهل الدار على مخالفة قرار الإله الموهوم (فرعون) الذي لو كان إلهاً لما غاب عنه أمر موسى.
وأقبل الذباحون إلى منزلها فأخبرتها إبنتها بالأمر، فاحتارت أم موسى بأمر ولدها فلا مكان تخبؤه فيه لأن الحراس سوف يفتشون الدار كله، وهذا يعني الموت المحتم لموسى وأمه وأخته والقابلة ولكل من كان على علم بأمر هذا المولود، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن الخلاص إلا بقدرة الله عز وجل الذي أجرى في حينها معجزة على يد هذا المولود المبارك.
المُعْجِزَةُ الأُوْلَى
وبالفعل لقد حدثت معجزة كبرى ولكنهم ربما غفلوا عنها لسببين:
السبب الأول: أن انتشار أمر المعجزة على يد هذا المولود سوف يعرِّضه للخطر أكثر لأنها سوف تكون دليلاً واضحاً على كونه الولد الذي تحدث عنه المنجمون.
السبب الثاني: أن المعجزة حصلت في وقت كانت فيه أم موسى وأخته مذعورتين فلم يلتفتا إلى هذه المعجزة إلا بعد الإطمئنان، ولعلهما علما بها بعد زوال الخطر، ولكنهما أدركا بأن إخبار الناس بما حصل على يد هذا المولود سوف يكشف لهم السر.
والسؤال هنا هو: ما هي وماذا كانت تلك المعجزة؟ لقد كانت وضع موسى في تنور مشتعل ولم تمسه النار، وهذا ما سوف نشير إليه في محله إن شاء الله تعالى.
أَوَّلُ مُعْجِزَاْتِ مُوْسَى(ع) وَكَرَامَاتِهِ
لكل نبي ورسول معجزات تُثبت صدق دعواه أو تشير إلى وجود شأن خاص له لأن هناك معجزات تحصل للنبي ولا يراد بها إثبات شيء كأول معجزات موسى التي حدثت له وهو ابن أشهر، والمعجزة هي الفعل الذي يتجاوز حدود الطبيعة ويخرق أنظمتها بحيث تكون ملفتة للنظر وسهلة الفهم لأنها تخالف المرتكزات الذهنية حول المسائل الطبيعية، فهي كالبقعة البيضاء على اللوح الأسود، فلا تحتاج رؤية البياض عليه إلى شيء من لوازم الإيضاح.
وهناك فرق بين المعجزة والكرامة، فإن المعجزة شيء والكرامة شيء آخر، وإن كان هناك مشابهة بينهما من حيث بعض الأهداف حيث قد تحمل الكرامة نفس هدف المعجزة، ولكن هذه المشابهة بينهما لا تحولهما إلى شيء واحد، فالمعجزة هي الأمر الذي يخرق نواميس الطبيعة، وأما الكرامة فهي الأمر المستهجَن الذي يتميز بخصوصياته عن الطبيعة ولكنه منسجم مع قوانينها.
مثال المعجزة: تحول العصا إلى ثعبان، أو قلع الجبل، أو إخراج الناقة من بين الصخر، ووجه الإعجاز هنا هو أن الطبيعة تفرض أن يخرج الثعبان من أنثى الثعبان لا أن تتحول العصا من خشب إلى ثعبان حقيقي بحيث لو دنوت منه لأكلك، وليس من الطبيعة أن يقلع الجبل من مكانه ويحلق فوق رؤوس الناس ثم يعود إلى المكان الذي انطلق منه، وليس من الطبيعة أن تخرج الناقة من بين الصخور بل ينبغي في الحالات الطبيعية أن تخرج الناقة من بطن أمها.
وأما مثال الكرامة: فهو أن يقف الرجل في وجه ألف شخص ويحاربهم ويتغلب عليهم، فهو تغلب عليهم بالسيف وهذا أمر ينسجم مع الطبيعة من هذه الناحية، أما وجه الكرامة فهو أن يتغلب الشخص الواحد على ألف.
فموسى(ع) حصلت له معجزة وهو طفل رضيع ولولا تلك المعجزة لما بقي على قيد الحياة، فعندما وشى أحدهم للحراس بوجود طفل صغير في بيت أم موسى أسرعوا إلى دارها بقصد استلابه وذبحه تنفيذاً لأمر الملك العظيم فرعون الذي أمر بقتل كل الأولاد الذكور حديثي الولادة، وعندما وصل الحراس إلى باب الدار ورأتهم أم موسى وقعت في حيرة وخوف شديدين، ماذا تصنع بهذا الولد البريء وأين تخبئه؟ وليس هناك مكان آمن لأن الحراس سوف يفتشون في كل جهة وزاوية حتى يجدوا هذا المولود فألقته في التنور المشتعل بلا شعور فدخل الحراس إلى المنزل وفتشوا كل الأمكنة ولم يبحثوا داخل التنور المشتعل لأنها وإن ألقت الولد فيه فإنه سوف يموت بعد دقيقة، ولأجل ذلك لم يخطر ببالهم أن يبحثوا عنه في التنور، ولعل التفتيش قد استغرق وقتاً طويلاً، فلم يجدوا شيئاً فخرجوا، فأتت أمه إلى التنور وهي موقنة بموته، ولكنها فوجئت عندما وجدته سليماً لم يُصب بأي أذى، وقد جعل الله عليه النار برداً وسلاماً كما جعلها على جده إبراهيم من قبل.
وقد تُوِّجت تلك المعجزة بجملة من الكرامات:
منها: عدم اقتراب الحراس من التنور.
ومنها: عدم اعتراف القابلة بالحقيقة فلماذا سكتت عنه وقد كانت الجائزة على الإعتراف به كبيرة والعقاب على إخفاء الحقيقة هو الموت المحتم، فما الذي سلخ الطمع والخوف من قلب القابلة في وقت واحد؟ طبعاً هو الله سبحانه وتعالى الذي يتصرف بالأمور كما يشاء.
ومنها: عدم فَقد أم موسى وعيها عندما تذكرت أنها وضعت الولد في التنور المشتعل.
ومنها: عدم استدعاء القابلة والتحقيق معها مجدداً، وقد كان هذا الأمر بالنسبة لفرعون مهماً جداً يستحق كل هذا العناء فإنه لو شك في الأمر لأتى بالقابلة التي ادعت أن أم موسى لم تلد وإنما خرج منها دم متجمد وهذا لوحده يستدعي زرع الشك في قلب فرعون.
لقد ورد ذكر هذه المعجزة وتلك الكرامات في بعض كتب التاريخ، والعجيب أن كثيراً منهم أهمل هذا الأمر رغم استحقاقه للتأمل.
فليس من الغريب أن تحصل هذه المعجزة لموسى الوليد، فلقد حدثت معجزات كثيرة لغيره من الأنبياء وهم أطفال رضّع كإبراهيم وعيسى الذي تكلم في المهد وكالنبي الأعظم محمد(ص) الذي حصل له مئات المعجزات والكرامات في طفولته وشبابه.
أُمُّ مُوْسَى وَالوَحْيُ الإِلَهِي
قال سبحانه وتعالى(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ)
بعد أن أتى الحراس إلى بيت أم موسى أصبح بيتها محط أنظارهم، ولعلهم فرضوا عليها العيون والجواسيس لمراقبتها لأن الخبر الذي جاءهم قد أخاف الملك لاحتمال أن يكون هذا الولد هو العدو له، فبعد انصراف الحراس خائبين لم يجدوا الولد الموشى به أصبحت أم موسى معرَّضة للتفتيش بين لحظة وأخرى، وهذا الوضع يفرض عليها أن تصنع شيئاً تحفظ به نفسها وولدها وتلقي تلك المسؤولية عن نفسها وتتخلص من المراقبة التي تمنعها من التحرك بحرية، خطر ببالها فكرة سديدة وهي في نفس الوقت خطيرة قلَّ من يفعلها، ولكن لا مفر من فعل شيء، فلعلها إذا نفذت الخطة كتبت الحياة لولدها لأنه مقتول على كل حال، وإنها مهما حرصت على إخفائه فلا بد وأن يأتي يوم تنكشف فيه الحقيقة ويذوب فيه الثلج ويظهر المرج، لقد خطر لها أن تضع ابنها في صندوق من الخشب وتلقيه في اليم ففعلت ذلك، ولكن قبل أن نتابع القصة نقف على معنى الوحي المذكور في الآية الشريفة فلقد قال تعالى(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) فهل كان الوحي هذا هو نفسه الذي يأتي الأنبياء؟
نحن نقول ليس هذا من نوع الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء-والله أعلم- لأنه لو كان كذلك لما بقيت أمه خائفة إلى هذا الحد، فلقد أرسلت أبنتها لمواكبة الصندوق ومعرفة النهاية، ولكن القرآن هنا ذكر الوحي وأراد به الإلهام الذي يراود كل واحد منّا.
وهذا الإلهام الذي يراودنا أو الذي نشعر به في الحالات العادية تارة ينشأ من تلقاء أنفسنا، وتارة يكون مسدداً بالقدرة الإلهية كإلهام أم موسى التي ظنت بأن الفكرة التي رأتها كانت من حاق تفكيرها وإلهامها الخاص، ولكن الله تعالى بعد أن أرسل موسى إلى بني إسرائيل بيّن له هذه المنة التي منّ بها عليه وهو ولد صغير فأخبره بأن ما شَعرَتْ به أمه تجاه تلك الخطة لم يكن مجرد شعور تلقائي بل هو إلهام من الله تعالى من أجل حفظه من عيون فرعون.
لقد كانت حياة موسى منذ بدايتها متوجة بالرعاية الإلهية فلم يتركه لحظة بل صنعه على عينه واصطنعه لنفسه ليكون رسولاً إلى بني إسرائيل، وفي هذه الحقيقة قال تعالى(واصطنعتك لنفسي) نعود إلى الفكرة التي خطرت ببال أم موسى والتي كانت إلهاماً من الله عز وجل الذي قال في ذلك(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ) أي ضعيه في صندوق من الخشب(فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) أي ضعي هذا الصندوق في اليم بعد وضع موسى بداخله، ثم انتقلت الآية نفسها للحديث عن الإرادة الإلهي والتدبير الذي أجراه في موضوع حفظ موسى من القتل حيث قال(فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) أي أن الله تعالى بقدرته سوف يأمر الماء بأن يوصل هذا التابوت إلى الساحل القريب من قصر فرعون(يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ) أي أنه سوف يصل إلى يد عدو الله وموسى، الآية هنا تتحدث عن عدو واحد وليس عن عدوين كما يمكن أن يتوهم البعض(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)
وهنا يكشف لنا القرآن الكريم عن إحدى الكرامات التي منّ الله بها على موسى وهو طفل رضيع، وهي أنه ألقى عليه محبة بحيث أحبه كل من نظر إليه، وهذا ما منع القابلة من الإيشاء بأمره، وهذا ما جعل زوجة فرعون تتمسك به وتتخذه ولداً، وهذا ما جعل فرعون يقبل بتبنِّيه رغم خوفه من كل مولود، فقد أعمى الله بصيرة فرعون حين أغفله عن سبب مجيء موسى إليه من جهة اليم بعد أن قتل ما يقرب من عشرين ألف ولد، ثم يقص علينا القرآن الكريم كيف رد الله موسى إلى أمه وقر به عينها بعدما كادت تموت من الخوف تارة ومن الحزن تارة أخرى.
قال تعالى(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) لقد بقيت أخت موسى تراقب التابوت من بعيد حتى وصل إلى أيدي حراس فرعون الذين أدخلوه إلى القصر، وقد علمت أخت موسى بعد فترة من دخول موسى إلى قصر فرعون أنه امتنع عن الإرتضاع من كل المرضعات فاستغلت أخته هذا الوضع وقالت لهم(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ) وبهذه الطريقة أو بهذه الكرامة الأخرى-وهي امتناعه عن الإرتضاع إلا من أمه- أرجعه الله إلى أمه وأزال به حزنها وكربها.
التاْبُوْتُ فِيْ وَسَطِ اليَم
قال تعالى(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) وبالفعل ألقته في اليم والتقطه آل فرعون وكان عدواً لهم وحزناً، ولكن ما أريد أن أشير إليه هو عظمة الرعاية الإلهية التي مشت مع موسى ولم تفارقه طيلة حياته.
لقد وفق الله أم موسى في وضع الحمل وإخفائه مدة من الزمن عن جواسيس فرعون، وكما حفظ الله موسى في تلك المرحلة فقد حفظه في المراحل الآتي ذكرها.
وهنا سؤال: كيف بقي موسى(ع) من دون طعام طيلة تلك المدة.
نقول: إن القدرة الباهرة التي تخفي معالم الحمل عن المرأة الحامل والتي توحي إليها بأن تضعه في صندوق وتلقيه في الماء ليست قاصرة عن إشعاره بالشبع مهما طالت المدة، وليس ذلك بالأمر الذي يستحق البحث المطوَّل وإثباته بالأدلة والبراهين لأن الله تعالى قادر على كل شيء.
فبعد أن ألهم الله تعالى أم موسى أن تضع مولودها في الماء كان هذا المولود الجديد محتاجاً للرعاية، ولا شك بأن القدرة الإلهية قد قامت بالمطلوب، وليس ذلك سوى أدلة على القدرة الإلهية التي يجب الإيمان بها، وهنا لا بد من ذِكر أمور ذات صلة بالموضوع:
الأمر الأول: حفظه من الغرق.
لم يكن حفظ موسى في وسط الماء والأمواج أمراً عادياً بل كان خارقاً للعادة، فهو إذن معجزة من معجزات الله التي أجراها على أيدي أنبيائه، فقد أنجى الله عز وجل هذا المولود المبارك ليصل إلى الهدف المطلوب.
الأمر الثاني: كيف جلبته الماء إلى قصر فرعون؟
لقد تابعت الحكمة الإلهية وظيفتها تجاه موسى(ع) فلم يقتصر الأمر على مجرد حفظه من الهلاك وإنما أوصلته يد القدرة إلى الشاطئ بالقرب من قصر الهدف الأكبر وهو فرعون الذي التقط جنوده ذلك الصندوق الذي كان يحمل ولداً يشع وجهه بالنور وأدخلوه عليه علهم يربحون الجائزة من وراء قتل هذا المولود، ولم يكن للقدرة أن تتخلى عنه في ذلك الموقف الرهيب المشحون بالمتاعب والمحدق بالخطر.
الأمر الثالث: ما الذي جعل فرعون يقبل بتربية موسى علماً بأنه كان خائفاً منه؟
وهنا نطرح سؤالاً حول الحدث الكبير الذي جرى في قصر فرعون عند التقاط موسى وهو طفل رضيع: أين ذهب خوف فرعون من الأطفال الذين سيولدون؟ علماً بأنه لم يُبْقِ من الأطفال أحداً خصوصاً الذين هم في عمر موسى؟
والجواب هنا لا يحتاج إلى إثباتات وأدلة لأن الأمر في غاية الوضوح، فإن القدرة الإلهية هي التي ليّنت قلب فرعون في تلك الفترة حتى يتعلق قلبه بهذا المولود الفاتن وذلك من خلال إلحاح زوجته الكريمة آسية بنت مزاحم على تبني هذا المولود.
الأمر الرابع: عدم إنجاب فرعون للأولاد
فقد دبّر الله تعالى أمر موسى من جميع الجهات فحرم فرعون من الإنجاب ليرغمه على القبول بموسى ولداً يعيش معه في نفس القصر، فلو كان لفرعون أولاد لما رضي بموسى وليداً بل كان من المؤكد أنه سوف يقتله.
الأمر الخامس: رفضه للإرتضاع من جميع النساء إلا أمه:
لقد وعد الله تعالى أم موسى بإرجاع ولدها إليها عندما قال(إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ) وقد أرجعه إليها عن طريق إلهام موسى بعدم الإرتضاع من النساء سوى من أمه التي أدناها فرعون من القصر بهدف تربية موسى ورعاية شؤونه.
الأمر السادس : الربط على قلب أم موسى كيلا تصرح بالحقيقة:
لقد كاد شعور الأمومة لدى أم موسى ينفجر تجاه ولدها وكاد أمرها يفتضح لولا أن ربط الله تعالى على قلبها حفاظاً عليها وعلى ولدها لأنها لو صرحت بالحقيقة لقتلها فرعون على الفور هي وولدها.
مُوْسَى يَعِيْشُ مَعْ عَدُوِه
يا لها من عبرة ما أعظمها، وقدرة ما أبهرها، ويا لها من سلسلة أحداث ومواقف ما أجملها، لقد احطاط عدو الله لسنوات طويلة، ووضع حول قصره آلاف الحراس، وضرب طوقاً أمنياً مرعباً، وقتل كل مولود ذكر لفترة طويلة.
ورغم كل تلك الإحتياطات التي لم يعهدها أهل مصر من قبل فلقد وصل الهدف إلى داخل قصره وعاش بينهم مدة طويلة من الزمن من دون أن يشعر فرعون بأن هذا يمثل تأويل الرؤيا التي أرعبته لسنوات عديدة، كل ذلك حصل بقدرة الله وحكمته ومشيئته لأنه أراد أن يرحم الناس ويخلصهم من ظلم فرعون على يد نبي من أنبيائه، وفي نفس الوقت أراد أن يهديهم إلى الصراط المستقيم، فإنه إن أهلك فرعون بسبب غامض فسوف يبقى الناس معتقدين بألوهيته وسوف يردد أعوانه إشاعات حول اختفائه من قبيل أنه اتخذ مكاناً خفياً ليراكم ويسمعكم وغير ذلك من إشاعات الوهم والضلال والإنحراف العقائدي، ولكن حكمة الله اقتضت أن يتم هلاكه على مرأى الجميع ليتيقنوا بأنه بشر مثلهم وقد أهلكته تلك الجهة القوية التي أرسل موسى من قبلها.
ويشهد على ذلك ما حصل في النهاية أي بعدما غطتهم المياه وابتلعتهم فأمر الله تعالى موج البحر أن تنبذ جثة فرعون إلى الشاطئ ليكون جسده الهامد عبرة للناس، وفي ذلك قال تعالى(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)
نرجع إلى مسألة دخول موسى إلى القصر فإنه بعد أن ألقته أمه في اليم جرفه اليم إلى الساحل الذي كان قصر فرعون بالقرب منه فالتقطه حراسه وأدخلوه إلى القصر، ولا شك بأن فرعون لم يستسلم لفكرة تربيته لأنه كما ينص التاريخ كان خائفاً منه حيث كان حديث الولادة فشعر أنه هو الذي سوف يقضي على سلطانه فأراد أن يقتله ولكن مشيئة الله تعالى حركت آسية زوجة فرعون للتدخل حين نظرت إليه وسحرها جماله فراحت تقنع زوجها بإبقائه على قيد الحياة لأنه حسن الوجه ونحن ليس لنا أولاد، ولعلها طمأنته بأن الهدف يُحتمل أن يكون قد مات بين أولئك الآلاف الذين قتلهم، فشعر بالإطمئنان ورحب بفكرة اتخاذه ولداً، ولا شك بأن الذي أرغمه على القبول بفكرة زوجته هو إرادة الله عز وجل.
وفي هذا الشأن بالخصوص قال سبحانه وتعالى(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
ولولا التدخل الإلهي في حفظ موسى وإلقاء غشاوة على قلب فرعون لحكم عليه بالقتل من الأساس أو عندما كان يرى أخلاقه النبوية حيث لم يتبع عقائدهم الفاسدة ولقد كانت مخالفة عقيدتهم تعني لهم جريمة كبرى يستحق عليها المتمرد الموت والتعذيب.
ونشأ موسى في بيت عدوه وقد ثبّت الله أمه وأخته والقابلة والنجار بعدم البوح بأمره وسره، هذا وبنوا إسرائيل ينتظرون موعد ظهور الولد ليقتلوه، وقد عاش في قصر فرعون كابن له حتى عُرف بين الناس بأنه موسى بن فرعون، وقد أصبح له مركز مرموق وسلطة كبيرة وقد استعمل نفوذه في الدفاع عن المظلومين وحمايتهم وكان يطلب من فرعون العفو عن هذا وذاك ولا يرد له فرعون طلباً.
وكان في بني إسرائيل شيخ عالم يستريحون إليه ويطمئنون لكلامه وكان عنده بعض المعلومات حول النبي الموعود، وقد اجتمع عنده بعض الناس سراً وراح يحدثهم عن صفات النبي الموعود الذي سوف يكون خلاصهم على يديه، وبينما هم مجتمعون وإذا بموسى(ع) يمر من أمامهم فوقف عليهم فنظر إليه الشيخ وسأله عن إسمه فقال موسى بن عمران فوثب الشيخ على يدي موسى يقبلها وهو يقول: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك، ثم قام المجتمعون وصنعوا كما صنع الشيخ مع موسى،ثم انصرف عنهم ومنذ ذلك الحين بدأت الأحداث الكبرى في حياته.
هِجْرَةُ مُوْسَى(ع)
قال سبحانه وتعالى(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
بعد مواكبة الرعاية الإلهية لموسى(ع) منذ الولادة وحتى الرشد استمرت إلى آخر لحظة من حياته لأن العون الإلهي قد سدَّد جميع الأنبياء منذ الولادة وحتى الإلتحاق به، فعندما بلغ موسى أشده أصبح رجلاً متماسك القوى المادية والمعنوية منّ الله عليه بالعلم والحكمة والنبوة فأرسله إلى بني إسرائيل ليدعوهم إلى عبادة الواحد الأحد ويخلصهم من ظلم فرعون وجنوده، وقد أشارت الآية إلى أن هذه النعم التي أنعم بها على موسى تصيب المحسنين لقوله تعالى(وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)
لقد خرج موسى من قصر فرعون ودخل العاصمة من دون أن يشعر أحد بدخوله، ولعل هذا التستر كان سببه انتشار خبره بين الناس وأن فيه علامات النبي الموعود، وهذا من شأنه أن يحيطه بالخطر من قبل فرعون وجنوده، لأن الكلام الذي ذكره الشيخ العالم أمام مجموعة من المظلومين كان -والله العالم – قد تسرب منه شيء إلى أسماع بني إسرائيل بطريقة وأخرى، فخرج من قصر فرعون ودخل المدينة متستراً، قال تعالى(وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ)
على أثر دخوله المدينة وجد رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي وهو الذي عبر عنه القرآن بأنه من شيعته، والآخر قبطي وهو المعبر عنه بعدوه، فراح الإسرائيلي يستغيث بموسى(ع) كي ينصره على القبطي بدعوى أنه يعتدي عليه ويريد قتله، وفي تلك الحالة أراد موسى أن ينصر مستنصره فوكز القبطي بالعصا ليردعه عن غيِّه فكانت الضربة قاضية ولم يقصد موسى قتله لأن الظرف لم يكن مستدعياً للقتل، فلقد نص التاريخ على أن القتل حصل خطئاً وليس عمداً.
ورغم أن الأمر وقع خطئاً توجه موسى إلى الله عز وجل وطلب منه المغفرة على ما صنعه بالقبطي، وقد ذكر القرآن استغفار موسى حيث يقول(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) تشير الآية إلى أن الله تعالى غفر لموسى فلم يكن عليه تبعة بل لم يكن ما صنعه ذنباً لأن المعصوم لا يُذنب، وهنا قد يرد علينا إشكال حول هذا الخطأ الذي صدر من موسى المعصوم قبل مبعثه لأننا نعتقد بعصمة الأنبياء من لحظة الولادة؟
في الواقع هذا إشكال وجيه نحتاج في رده وإيضاحه إلى شيء من الدقة والحكمة وإلى إعمال العقيدة المرتكزة بداخلنا حول تنزيه المعصوم عن الخطأ، فإذا كنا نعتقد بذلك فلماذا قلنا بأن موسى قتل خطئاً؟ ألا يخالف ذلك معتقدنا الأساسي في العصمة؟
ونلاحظ بأن القرآن لم يأت على ذكر الخطأ، فلم يقل لموسى إنك أذنبت أو ارتكبت خطئاً وإنما قال له وقتلت نفساً، وهذه الآية هنا لم تأت على ذكر الخطأ أو المعصية، أكثر ما جاء فيها هو أن موسى قال ظلمت نفسي فاغفر لي، وطلبُ المغفرة لا يعني وجود معصية فإن جميع الأنبياء كانوا يتهمون أنفسهم بالخطأ والظلم لها وهم في الواقع بريئون من الخطأ، ولكنهم يتهمون أنفسهم بالظلم والخطأ تذللاً لله عز وجل وهذا من أخلاق الأنبياء(ع).
وقد استلهمنا هذا الفهم العظيم من أئمتنا المعصومين(ع) الذين كانوا يتقربون إلى الله عز وجل باتهام أنفسهم وهم بريئون من العصيان، وهذا أمير الكون علي بن أبي طالب(ع) يعطينا درساً حول هذا الفهم فيقول في دعاء كميل: اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم…
وهذا زين العابدين(ع) يتهم نفسه بالجرم العظيم تواضعاً من نفسه لربه وتقرباً منه إليه فيقول في دعائه: أنا الذي عصيت جبار السماء…
هذا إذا أردنا أن نحمل الأمر على الظاهر، أما لو أردنا أن نحمله على الخصوصيات الموجودة في الأنبياء والرموز التي يستعملونها فيما بينهم وبين الله تعالى نجد أنه من المناسب تنزيه النبي عن الخطأ ورد هذا السلوك الذي كان ظاهره الخطأ إلى الله تعالى لأننا متيقنون بكون الأنبياء لا يخطؤون، إذاً يوجد فيما فعله موسى سر بينه وبين الله عز وجل، ولأجل ذلك لم يعلّق القرآن على هذا الأمر المغتفَر من الأساس، أما إذا حاولنا أن نتعاطى مع الأنبياء كما نتعاطى مع بعضنا البعض، أو إذا حاولنا أن ننظر إلى أفعالهم كما ننظر إلى أفعال الناس العاديين فإننا سوف نقع في مطبات عالية يصعب تجاوزها، ولأجل ذلك قلنا ونقول ينبغي أن نرد مثل هذه الخصوصيات إلى الله عز وجل فهو أعلم بما في الصدور.
أنا شخصياً بحسب معرفتي لواقع العصمة واستحالة شذوذ المعصوم أو انحرافه عن الجادة المرسومة أقول: لعل الله ألهم موسى أن يقتل هذا الذي يستحق العقاب لأنه ربما يشكل عائقاً في طريق الرسالة، والدليل أن قتل القبطي شكّل نقطة البداية في حياة موسى الرسالية وكشف له عن نفسية الأفراد في بني إسرائيل الذين يدعون المظلومية وهم ظالمون كما صنع الذي هو من شيعته.
وبعد تلك الحادثة أصبح موسى خائفاً من اكتشاف أمره، وهذا يعني رده إلى فرعون الذي خلا قلبه من الرحمة والشفقة، وبينما كان موسى يتأمل في وضعه الخطير ويرسم خطة للتخلص من هذا الواقع المرير وإذا به يرى نفس الشخص الذي استنصره بالأمس وهو يطلب منه العون على قبطي آخر، هذا الإسرائيلي كاذب وشرير فهو يحاول استدراج موسى وإيقاعه في المآزق كي يثوّر عليه بني إسرائيل فيقتلوه أو يطردوه من مدينتهم، فطلب منه الإسرائيلي أن يعينه على القبطي فقال القبطي يا موسى تريد أن تقتلني كما قتلت شخصاً بالأمس، وهذا يعني أن الإسرائيلي هو الذي أخبر الناس بقتل موسى للقبطي بهدف القضاء على موسى فعند ذلك شعر بكذب الإسرائيلي ووجّه له توبيخاً حاداً، وقد ذكر القرآن ذلك حيث قال(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)
ربما كان موسى غافلاً عما يخطط له الإسرائيلي، ولكنه بعدما سمع كلام القبطي توجه إلى الإسرائيلي قائلاً(إنك لغوي مبين) يعني أنت إنسان حقير تعتدي على الناس وتعترك معهم وتطلب مني التدخل من أجل غاية خبيثة في نفسك.
وكان في المدينة رجل مؤمن يكتم إيمانه خوفاً من فرعون وجنوده أقبل إلى موسى(ع) وأخبره بالمؤامرة التي يحيكها فرعون ضده وأنه يريد أن يقتله فنصح موسى بأن يخرج من المدينة قبل أن يدركوه فخرج منها وهو يشعر بالخوف، وفيه قال تعالى(وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
مُوْسَى يَرِدُ مَاْءَ مَدْيَنَ
بعدما خرج موسى من المنطقة الخاضعة لسيطرة الفراعنة توجه إلى الله عز وجل بالدعاء طالباً منه العون والتوفيق وأن يهديه سواء السبيل، قال تعالى(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ) وقد يظن البعض بأن موسى قبل نزول الوحي عليه كان بعيداً عن الله، وهو وهْمٌ واضح لأنه(ع) كان مؤمناً بالله تعالى منذ أن فتح عينيه على الحياة، صحيح أن الوحي نزل عليه في الوادي المقدس، ولكنه كان عابداً زاهداً يخشى الله تعالى، وكان على دين آبائه وأجداده إسحق ويعقوب وإبراهيم، ويدلنا على ذلك تلك الخطابات القرآنية التي تحدثت عن توجه موسى لربه قبل أن يغادر مصر وقبل أن ينزل عليه الوحي، والآية السابقة أكبر شاهد على ما نقول حيث طلب موسى من ربه أن يهديه سواء السبيل قبل أن يتوجه نحو مدين.
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)
بعد سفر شاق وطويل أشرف موسى على مدين موطن نبي الله شعيب(ع) فوقف بالقرب من بئر هناك يستريح من عناء السفر فلفت انتباهه أمر أنبأ عن شعوره الإنساني الكبير في وقت قلَّ فيه أصحاب هذا الشعور، وجد جماعة على الماء يسقون أغنامهم ومواشيهم، وبالقرب منهم امرأتان معهما أغنام، ولكنهما لم تستطيعا الإقتراب من الماء حياءاً من الرجال، وفي نفس الوقت كان فعلهما ملفتاً للنظر فهو خُلق من أخلاق الإيمان فضلاً عن كونه من الأخلاق الإنسانية العامة، فتقدم منهما وسألهما عن سبب بُعدهما عن الماء فقالتا لا نقدر على مزاحمة الرجال وأبونا تمنعه الشيخوخة من الرعي والسقي ونحن هنا ننتظر حتى ينتهي الجميع، فدفعته أخلاقه العالية إلى مساعدتهما حيث كان تثبيتهما على ما كانتا عليه أمراً ضرورياً بالنسبة لموسى، فدنا منهما وأخذ أغنامهما وسقاها لهما، وعندما انتهى من هذه المهمة الإنسانية رجع إلى الظل الذي كان يستريح تحته وتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء، قال تعالى(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) رغم العطاء الواسع الذي أنزله الله على موسى فإنه كغيره فقير إلى الله عز وجل، أما الخير المعنوي الذي نزل على موسى فهو في منتهى العظمة حيث أعطاه العلم والحكمة والنبوة، وأما الخير المادي فلقد كان بالنسبة لنا قليلاً أما بالنسبة لكليم الله فلقد كان كثيراً، وقد أشار الإمام علي(ع) في نهج البلاغة إلى هذا الخير وذلك والوضع الذي كان عليه موسى فقال: وإن شئتَ ثنّيتُ بموسى كليم الله إذ يقول(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) واللهِ ما سأله إلا خبزاً يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خُضرة البقل تُرى من شفيف صِفاق بطنه لهُزاله وتَشَذُّب لحمه:
وهذا خير نص بعد القرآن يكشف لنا عن زهد موسى ومدى تعلقه بالله عز وجل وأنه لا يريد زينة الحياة الدنيا وأنه كان يدرك بأن ما عند الله خير وأبقى.
فعندما رجع موسى إلى الظل أُعجبت تلك الإمرأتان بهمته العالية وأخلاقه الحميدة التي لم يكن أحد من بين الرجال الموجودين يتمتع بها بل كان همهم السقاء والرحيل، أما هم موسى فلقد كان الحفاظ على كرامة الإمرأتين وحشمتهما، فعندما رجع إلى الظل ولعل مكوثه هناك دام وقتاً معتداً به، وبينما هو جالس هناك رجعت إحدى المرأتين ودعته إلى منزل والدهما لأنهما أخبرتا والدهما بما صنع معهما هذا الرجل الخلوق، (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) إن هذا العمل الإنساني يستحق المكافئة، وليس المكافئة على السقاية فإن أجرها العادي زهيد قد لا يكفي لشراء رغيف، ولكن والدهما أراد أن يكافئه على إنسانيته التي حركته لمساعدتهما، فلبى موسى دعوة والدها وأتى منزله(فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) عندما دخل موسى إلى منزل هذا الشيخ اطمأن له لأن ملامح وجهه توحي بالصدق والإيمان وكان من الطبيعي أن يدور بينهما ما يدور بن كل ضيف وصاحب الضيافة ومن الطبيعي أن يكون قد سأله من أي البلاد أنت ولماذا أتيت إلى هنا فقص عليه موسى قصته مع آل فرعون وبني إسرائيل فطمأنه الشيخ وقال له: نجوت من القوم الظالمين: وعند هذه النقطة بدأت لموسى مرحلة جديدة في حياته.
زَوَاجُ مُوْسَى(ع)
كما وفقه الله للخروج من مصر سالماً فكذلك وفقه الله بأن وجد بيتاً كريما في مدين يحتضنه، لقد أوردته الرعاية الإلهية ماء مدين ليرى هناك امرأتين تنتظران دورهما لسقاية الأغنام فسقا لهما وقد أراد الله تعالى بهذه العملية أن يهيأ له زوجة تشاطره هموم الحياة وأعباء الرسالة فأوصلته القدرة إلى بيت ذلك الشيخ الكبير الذي أعجب بمروءة موسى، وقد بدأت تلك الحكاية الشيقة عندما طلبت إحدى بنات الشيخ أن يستأجر موسى للعمل لقوته وأمانته(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
لقد أصابت تلك الفتاة واقع الأمر في وصفها لأن موسى كان كما وصفته بالفعل، وكان من الطبيعي لشخص مثل موسى أن يختار زوجة محتشمة يحكمها الحياء، فلقد هيّأ الله لكليمه موسى بيتاً كريماً تتناسب أوضاعه التربوية والأخلاقية مع شأن موسى النبي الذي أرسله الله ليرحم به الناس.
فبعد أن طلبت الفتاة من أبيها أن يستأجر موسى للعمل بدت على وجه أبيها ملامح الموافقة المتوجة بالفرحة والسرور لأن الحصول على مثل موسى أمر عظيم حيث يُشعر مَن معه بالأمان والإطمئنان.
وعند ذلك أبدى الشيخ عن رأيه وعقد مع موسى صفقة نزيهة، ولم يكن الشيخ غنياً، بل كان يعتاش مع ابنتيه من رعي الأغنام، فكان هناك طريقة أخرى للدفع مقابل العمل وهو الزواج من إحدي ابنتيه(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) فقد اتفقا على أن يكون مهر إحداهما عمل ثماني سنين، وإن أراد موسى أن يضيف إلى الثمانية سنتين فهو تبرع منه، ولا يريد الشيخ أن يشق على موسى بالسنتين بل ترك له خيار هذا العمل الإضافي كما ترك له حرية اختيار واحدة منهما لأن الشرط لم يُعقد بينهما على واحدة بعينها، فعند ذلك وافق موسى على هذا الطلب(قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) قال موسى للشيخ إذا قضيت لك أحد الأجلين أي الثمانية أو العشرة فلا عدوان عليّ، يعني لا حرج عليّ، وأكون قد حصلت منك على الموافقة بالزواج من إحدى ابنتيك، وهنا أريد أن أوضح ملابسة ألقتها الأوهام حول هذا العقد الذي جرى بين موسى والشيخ فإن كثيراً من المؤرخين يكتبون التاريخ من دون أن يدققوا في معنى ما يكتبون، فقد يكون ما يسردونه منافياً للدين والعقل، كمن يكتب حادثة عن أحد الأنبياء وهي لا تليق بالإنسان العادي، أي أنها تذهب بالعصمة وتنزل بالنبي إلى مستوى وضيع هو في الواقع أجل من ذلك، وقد لا يكون الذنب على المؤرخ بل على القارئ الذي يفهم خطئاً ثم ينسب هذا الخطأ إلى هذا المؤرخ أو ذاك فهنا أمران:
الأمر الأول: نقرأ في بعض الكتب أن الشيخ الذي تزوج موسى ابنته كان نبي الله شعيب، ولم نجد لهذه التسمية نصاً واحداً لا في القرآن ولا في السنة، فلو كان الشيخ هو شعيب لذكر الله اسمه ليبين لنا مدى العلاقات والروابط بين أنبيائه، ولكن عندما لم يذكر القرآن إسمه ولم يرد نص آخر في الكشف عن هوية الشيخ لم يجز لنا أن ندعي أن الشيخ كان نبي الله شعيباً إذ ليس بالضرورة أن يتزوج النبي إبنة نبي، فسارة وهاجر وخديجة لسن بنات أنبياء، ثم قد يكون سبب هذا الإدعاء أن الشيخ من مدين وشعيب من مدين، وأن الشيخ من الصالحين وشعيب من الصالحين، ومن قال بأنه لم يكن يوجد في مدين صالح غير شعيب؟
الأمر الثاني: وهو أن بعضهم ادعى بأن الشيخ أخلف وعده وأنه عندما عمل موسى له ثماني سنين فرفض أن يزوجه إحدى ابنتيه حتى يعمل له سنتين إضافيتين، وهذا خطأ لأنه مخالف لظاهر القرآن الكريم الذي بيّن لنا عكس ذلك فقد بيّن القرآن بأن الشيخ من الأساس طلب من موسى عمل ثماني سنين أو عشراً إذا قدر موسى على ذلك، ولقد كانت السنتان خارجتين عن الشرط والعقد، فلا داعي لمثل هذه الإشاعات والأوهام لأنها تمس بكرامات الصالحين.
مَبْعَثُ مُوْسَى(ع)
قال الله عز وجل(فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
بعد أن أتم موسى الأجل مع الشيخ تزوج إحدى ابنتيه وسار بها عائداً إلى مصر موطنه، وقد غاب عن أمه وأخته وأخيه فترة طويلة من الزمن، وفي طريق العودة وفي ليلة مظلمة رأى نوراً من بعيد فظنه ناراً فذهب إليه علّه يجد هناك شيئاً أو يأتي بجزء من النار للدفئ والإضاءة فترك زوجته في الطريق وتوجه نحو ذلك النور الذي ظهر له من بعيد.
فذهب إلى ذلك المكان ليستوضح الخبر، وهناك كانت المفاجئة الكبرى له، فلم يكن مصدر النور ناراً بل كان مصدره القدرة الإلهية.
لفت نظره هناك وجود شجرة منحرفة عن الطريق يشع منها نور واضح فاعتقد أن أحد السيارة يجلس في ذلك المكان فطلب من زوجته أن تبقى في مكانها ليذهب ويستطلع خبر هذا النور، فذهب إلى ذلك المكان ولكنه تفاجأ بأمر مدهش وغريب لم ير مثله في حياته بل لم يسمع مثله من قبل، فدنا منها أكثر وإذا به يجد شجرة خضراء تشتعل بالنار، والنار لا تؤثر بها شيئاً ولعله كان نوراً مشابهاً للنار، فأخذته الدهشة من ذلك فأيقن أن في الأمر سراً وقد شعر بالخوف من هذا الحدث الغريب.
وفي تلك الأثناء سمع صوتاً رائعاً يخرج من وراء تلك الشجرة ولا يوجد حول الشجرة أحد، من أين يأتي هذا الصوت؟ ومن هو المتكلم؟ وإذا به يسمع هذا القول(إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)
وبعدما سمع تلك الكلمات اطمأن قلبه وسكنت نفسه وشعر براحة كبرى وعزة وكرامة وقوة لم يشعر بها من قبل.
فمِن ذلك الوادي المقدس بدأت مسيرة موسى، حيث اختاره الله تعالى لحمل رسالة السماء وتبليغها إلى خلقه.
لقد كان ذلك المكان مباركاً ومقدساً كما أشارت الآية الكريمة حيث تقول(نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) وكان النداء وحياً من الله تعالى أمره بأن يذهب إلى فرعون ويدعوه إلى الإيمان.
مُوْسَى فِيْ البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ
لا شك بأنه عندما سمع موسى الصوت راح يلتفت يميناً وشمالاً ويبحث عن المصدر عله يرى أحداً فلم ير أحداً ولم يلمس شيئاً، ما هذا الصوت ومن أين يأتي؟
لقد توهم أحدهم بأنه صوت الله، وهذا محال على الله الذي لا يقاس بمخلوقاته بل تنزه عن مجانسة مخلوقاته، وهنا لا بد من إيضاح الأمر لكشف النقاب عن الأوهام التي أودَت بعقائد كثير من الناس لأنهم لم يعتمدوا في فهم الأمور على الثوابت، ولم ينطلقوا في تفسير الأمور من المسلَّمات فوقعوا فيما لا تُحمد عقباه.
إن كل الأصوات التي نسمعها في حياتنا مصدرها المادة التي تصدر عنها تلك الذبذبات فيفهمها السامع، أما الصوت الذي سمعه موسى لم يصدر عن المادة ولم يكن صوت الله المنزه عن الجارحة، لقد كان كلاماً، ولكنه لم يصدر عبر لسان بل كان ذبذبات صوتية تحمل معان عميقة خلقها الله بقدرته ليسمعها موسى، فإن الذي خلق الألسن والأصوات قادر على أن يخلق أصوات من دون ألسن وهو عليه أهون.
وبعد هذا الكلام يستوقفنا البعض محتجاً علينا بقوله تعالى(وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) بمعنى أن الله يؤكد على تكليمه، ألا يدل ذلك على أنه كلمه فعلاً؟
نحن نقول لقد كلم الله موسى، ولكنكم إذا كنتم تعرفون الثوابت الخاصة بالذات الإلهية لأدركتم أن الله يكلمنا ليس بجارحة كما بيّن لنا أمير المؤمنين(ع) ثم إنه لماذا (تَكْلِيمًا) هل ليؤكد على أنه كلمه بالطريقة الخاطئة التي نخاطب بها بعضنا نحن المخلوقين من المادة، أو أنه أراد بالتكليم أن يلفت انتباهنا إلى أن الوحي الإلهي ينزل على الأنبياء والرسل بطرق:
منها: إرسال الملك كما كان شأن الوحي عند رسول الله محمد(ص) الذي كان يبعث له ربه جبرائيل بالوحي فيقول له يا محمد إن الله يقول كذا وكذا ويأمرك بكذا وكذا.
ومنها: أن يريه الوحي في المنام كما صنع مع خليله إبراهيم.
ومنها: ما هو من وراء حجاب كمسألة تكليم موسى الذي خصه الله بأن أسمعه صوتاً من وراء حجاب، أي أنه خلق له صوتاً وقد سمعه بأذنيه.
والله تعالى لم يكلم موسى فقط بل كل جميع خلقه، إن وظيفة الكلام الذي سمعه موسى هي نفسها وظيفة الشيء الذي رآه إبراهيم في المنام وهي نفسها وظيفة الكلام الذي نقله جبرائيل للرسول، وهي نفسها وظيفة كلام القرآن الكريم فلقد كلم الله كل الناس عن طريق القرآن، وقد نفى القرآن نفياً قاطعاً أن يكون الله قد كلّم أحداً بالطريقة التي فهمها البعض حيث يقول(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) فإذا عرضنا قوله تعالى(وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) على هذه الآية المباركة لاتضح لدينا المعنى المراد.
مُعْجِزَاتُ الوَاْدِي المُقَدَس
في ذلك الوادي المقدس، وفي تلك البقعة المباركة بجانب الطور بدأت المسيرة الرسالية لموسى بن عمران(ع) ففي سورة القصص قال تعالى(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) وفي سورة مريم قال سبحانه(وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) وكذلك في سورة القصص أيضاً أشار تعالى إلى تلك البقعة(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
وفي تلك البقعة سمع موسى كلام الوحي الذي أمره بالذهاب إلى فرعون وقومه ودعوتهم إلى الإيمان بالله عز وجل، وفي ذلك قال سبحانه(هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذَّبَ وَعَصَى)
وفي سورة طه قال تعالى(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)
لقد كان موسى خائفاً من الذهاب إلى فرعون لأن حلوله في مصر يعني قتله أو سجنه وتعذيبه على الأقل فإن الخطر لم يكن سببه قتل القبطي فقط بل كان السبب أكبر من ذلك، وهو أنه الشخص الذي كان مطلوباً للإعدام لحظة ولادته لأن خبره قد انتشر في مصر بعد مغادرتها، وقد أبدى موسى في حواره مع ربه أحد أسباب خوفه أو ربما لم يكن بعد قد علم بأن فرعون يطلبه فقال(قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) وعند ذلك طمأنه الله تعالى وأراه من الآيات ما يعجز كل البشر عن مواجهتها وهي المعجزات التي رآها موسى في الوادي المقدس والتي كانت السلاح الذي سوف يواجه به جبروت فرعون وقوته التي قامت على الظلم، قال تعالى(وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)
لقد أراه الله تعالى بعد إبداء خوفه من فرعون آيتين كسلاح يواجه به مصدر خوفه، وكان قد أراه آيات قبل أن يسمع الصوت (مصدر الوحي) فهناك، أي في الوادي المقدس حدثت أربع معجزات وبعض التدبيرات الإلهية والتي من جملتها إلهام موسى أن يمر في تلك الطريق، وأن يكون مروره في الليل وأن يبقي زوجته في مكان بعيد عن البقعة المباركة لأنه هو الموحى إليه علماً بأن زوجته قد رأت ذلك النور لأنه من الطبيعي أنه عندما أخبرها بأنه آنس ناراً أن تسأله عنها كيلا يكون نظره قد خدعه ويذهب إلى هناك فلا يجد شيئاً، ولا مانع عقلي من أن تكون زوجته لم تر النور.
المعجزة الأولى: وهي اشتعال النار في الشجرة الخضراء وقد اشتملت هذه المعجزة على نوعين من الإعجاز، أولاً: كيفية اشتعال النار فإن الله تعالى قد خلق النار بسبب غير اعتيادي، أي أنه خلق ناراً من دون إشعال: وثانياً: إبطال مفعول النار من الإحراق دون الإنارة حيث لم تتأثر أوراق الشجرة وأغصانها بتلك النيران الملتهبة، ولا تفسير لذلك سوى الإعجاز الخارق لقوانين الطبيعة.
المعجزة الثانية: وهو خلق الصوت الذي سمعه موسى(ع) في ذلك المكان، وقد كان ذلك الصوت عبارة عن ذبذبات صوتية خُلقت بقدرة الله تعالى، ويمكن لنا أن ندرج هذا النوع من الإيحاء تحت عنوان(من وراء حجاب) حيث قال تعالى(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) ولعل المقصود بالرسول هنا هو الملَك الذي كان يرسله تعالى إلى بعض أنبيائه.
وانطلاقاً من هذا النص القرآني الشامل ندرك بأن الصوت الذي سمعه موسى حاشى أن يكون صوت الله المنزه عن كل ما له علاقة بالمادة.
المعجزة الثالثة: وهي اليد البيضاء التي ضمها إلى جنابه ثم أخرجها فخرج منها نور أبيض عظيم يشبه شعاع الشمس.
المعجزة الرابعة: وهي معجزة العصا.
وقد لعبت تلك العصا بعد توجُّه الأمر الإلهي إليها دوراً كبيراً في إقناع الناس بالحق وأثبتت لهم صدق ما جاء به موسى من عند ربه، ولم يقتصر عمل العصا على مجرد تحولها إلى ثعبان وإنما كان لها دور آخر وهو شق البحر.
نعود إلى الحوار الكريم الذي دار بين الله وموسى في الوادي المقدس حول تلك العصا المباركة لنخلص بنتيجة مرضية حول حقيقتها.
قال تعالى(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)
والكلام الذي سوف نذكره حول هذه الآية الكريمة يساعد كثيراً على فهم حقيقة الإعجاز حول تلك العصا التي أصبحت مثلاً يُضرب على ألسنة البشر عبر التاريخ.
نبدأ بالسؤال الذي طرحه الله تعالى على كليمه موسى(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)
إن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، فلا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء لأنه وكما وصف نفسه في كتابه المجيد(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
فإذا كان علم الله بهذا المستوى العظيم فما هو السبب في سؤاله لموسى عن تلك العصا؟ إن الله لا يسأل لنفسه، وإنما يسأل كليمه عن تلك العصا ليلفت أنظار الناس إلى كون ما سوف يحدث لتلك العصا لا علاقة للعصا به من الأساس لأنها مجرد خشبة اقتطعها موسى من الشجر وهندسها من أجل أن يتوكأ عليها ويسيّر بها غنمه ويدافع بها عن نفسه لقوله(وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) ولعلها هي العصا التي وكز بها اليهودي فقتله.
لقد لفت بهذا السؤال انتباه الناس إلى كون العبرة ليست بالعصا التي هي مجرد جزء من شجرة أنبتها الله من الحبة، وإنما العبرة في تلك العبرة التي توجهت إلى العصا فجعلتها ثعباناً والتي توجهت إلى نار الخليل فجعلتها برداً وسلاماً والتي توجهت إلى الأرض فحصل بها الطوفان الرهيب.
ليست العبرة بتلك المواد التي نراها ونلمسها بل العبرة في القدرة التي تجلت لهذه المادة فحولتها من شيء إلى شيء آخر.
ولعل الله تعالى ينفي السحر من خلال بيان حقيقة العصا واليد والناقة والجبل والنار والكبش والقرآن وعن كل المعجزات التي لا ينكرها إلا معاند.
لم تكن هذه المعجزات الأربع كل شيء في حياة موسى وإنما كانت البداية للكثير من المعجزات والحوادث التي سوف تتم على يد هذا الإنسان العظيم الذي اختاره الله تعالى للنبوة.
حِوَاْرُ مُوْسَى مَعْ فِرْعَوْن
بعد أن خرج موسى بالتكليف الإلهي من الوادي المقدس والبقعة المباركة توجه نحو مصر ليبلغ رسالات ربه ويدعو فرعون وقومه إلى الإيمان، ولكنه طلب من الله تعالى أن يشد عضده بأخيه هارون لأنه كان أبلغ على التعبير والبيان وبالخصوص أن لسان موسى كان فيه عقدة فاستجاب الله له واصطفى معه أخاه هارون(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ)
أولاً: لقد دعم الله موسى بأخيه هارون لأنهما معاً يتعاونان على إقناع بني إسرائيل.
ثانياً: لقد جعل الله لهما سلطاناً قوياً يساعدهما على الثبات في وجوه أهل الظلم.
ثالثاً: بيّن لهما آثار هذا السلطان وهو أنهم لن يمسوهما بسوء لأن الله معهما يسمع ويرى، وفيه قال تعالى(قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)
فذهب موسى وهارون إلى فرعون ودخلا عليه بكل جرئة وقوة لفتت أنظار الجميع إذ كيف يدخل هذا الضعيف إلى صرح فرعون العظيم بهذه الطريقة وهو مطمئن وواثق بنفسه، قال تعالى(فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)
يوجد في هذه الآية ثلاث محطات تستدعي الإهتمام:
المحطة الأولى: وهو تصريح القرآن بأن موسى(ع) قد جاء فرعون وأعوانه بآيات بينات ومعجزات لا تنكر، ولم تكن دعوته لهم مجرد دعوى خالية من الدليل والبرهان بل جاءهم بأعظم البراهين التي لا ينكرها إلى العناد.
المحطة الثانية: تكشف عن صدق ما جاء به موسى لأنهم عندما وجّهوا له الإتهام بالسحر وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه أجنبي عن السحر كان ذلك دليلاً على كون ما جاء به موسى لم يكن كما قالوا بل كان أمراً غريباً هم شعروا بغرابته لأنهم كانوا لأول مرة يرون مثل هذه الآيات.
المحطة الثالثة: أنكروا أنهم سمعوا بمثل هذا في الماضي، وهنا نريد أن نوضح الشيء الذي أنكروه، هل هو المعجزة؟ أم الدعوة إلى الإيمان؟ يعني عندما قالوا(وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) فقولهم (هذا) هل هو الإيمان بالله أم هو المعجزة؟
وهذا ما يحتاج إلى شيء من التوضيح، فإنهم إن نفوا السماع بالمعجزة فهو الكذب بعينه لأنهم كانوا قريبين من عصور الإعجاز وقد سبقت تلك المعجزات مئات قبلها على أيدي الأنبياء السابقين، وإن قلنا بأن المقصود هو الإيمان فإن الأنبياء السابقين أتوا بالمعجزات من أجل إثبات الإيمان، وفي كلتا الحالتين هم كاذبون لأن فرعون ادعى أنه هو الإله فلم يكن من مصلحته أن يقول للناس بأنه سمع بمثل هذا الشيء من قبل، وهذا ضرب من ضروب التضليل.
وإنه بعد أن أنكر فرعون تلك الأدلة القاطعة أرجع موسى الأمر إلى الله العالم بالحق(وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)
فبعد أن شاهد فرعون معجزات موسى شعر بالخطر الذي بات محدقاً به وبسلطانه فحاول أن يثبت قوته من جديد مدعياً أنه لم يعلم أن هناك إلهاً غيره، وهذا يؤكد لنا أن الذي أنكره ليس المعجزة بل ما تدعو إليه المعجزة، وهو الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد أشار القرآن إلى ذلك حيث يقول(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)
وقد حاول أن يزيد في الأمر تعقيداً ويشوش الصورة الواضحة أو التي باتت على وشك الوضوح في أذهان الناس فأمر هامان بأن يبني له صرحاً أو برجاً يصعد إليه ويتحقق مما دعا إليه موسى، ومن الطبيعي أن ينزل إليهم ويقول لهم لم يثبت عندي شيء مما قاله لكم موسى وهارون.
إِسْتِكْبَارُ فِرْعَوْنَ وَجُنُوْدِهِ
بعدما أتى موسى بالآيات البينات إلى فرعون وجنوده أنكر الحق واستكبر وأصر على العناد، وأكثر من ذلك أنه ادعى الألوهية لنفسه فأنزل الله تعالى به وبجنوده العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة ليكونوا عبرة لغيرهم ممن يظنون بأنهم قادرون عليها، مع أنهم الفقراء والضعفاء الذين كان أمرهم بيد غيرهم.
لقد أهلك الله فرعون وجنوده ليوصل بذلك رسالة إلى العالم كله ويقول لهم: مهما كثرت أموالكم وزادت قوتكم وجبروتكم فإن هناك من هو أقوى منكم قادر على أن يصنع بكم ما صنعه بالظالمين من قبلكم ممن كانوا أكثر مالاً وقوة: وفي هذا البحث لا نريد أن نختم القصة لأن فيها أحداثاً كثيرة ونافعة ولكنني أريد أن أخرج عن التسلسل لأذكر النهاية الموجزة التي ذكرها القرآن في سورة القصص ثم نعود لمتابعة الرحلة الرسالية الموسوية الهارونية لنكتسب منها الفائدة الكبرى والعبر الكثيرة والدروس النافعة والمواعظ الحسنة والتعاليم الكريمة.
وفي صدد بيان أثر الظلم قال تعالى(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) لقد استكبر فرعون وأعوانه على الحق بجميع معانيه فاستحقوا ما نزل بهم من العذاب وظنوا أنهم لن يحاسبوا على ظلمهم فلقد ذكر القرآن تلك العاقبة العادلة حيث يقول(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) لقد عاقبهم الله بالإغراق في البحر الذي فلقه بقدرته على يد كليمه موسى، ثم يحدثنا القرآن عن واقع فرعون وجنوده فيقول(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ) والناس إمامان، إمام يدعو إلى الرحمة وإمام يدعو إلى العذاب، ولقد قاد فرعون جنوده وأتباعه إلى النار فكان شر قائد وإمام حيث كان مصداقاً للآية الكريمة، وقد أخبرنا القرآن بأن فرعون وجنوده وكل من يسلك هذه السبل سوف لن يجدوا لهم يوم القيامة ناصراً.
(وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) لقد لعنهم الله فأغرقهم وجعلهم عبرة لمن يعتبر وأتبعهم في الدنيا لعنة، وهي لعنته ولعنة اللاعنين إلى يوم القيامة، ثم أخبرنا بأنهم في يوم القيامة هم من المقبوحين والمعذَّبين لأنهم شقوا طريق الشقاء بأيديهم وكان بإمكانهم أن يغيروا المصير بلحظة يؤمنون فيها بالله ويعلنون البراءة من فرعون.
ولم تنته المشكلة عند هلاك فرعون لأنه وإن كان هلاكه آية، غير أن كثيراً من الناس كانوا معاندين ومنكرين للمعجزات، فبعد أن أهلك الله القرون الأولى وهم فرعون وأعوانه أنزل إلى كليمه موسى التوراة فيها بصائر وهداية وإرشاد للناس، قال تعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ولكنهم رغم وجود هذه التعاليم الإلهية فيهم لم يتذكروا ولم يهتدوا بل فضَّلوا الضلال على الهدى والدنيا على الآخرة.
ثم يوجّه الله خطابه إلى النبي الأكرم محمد(ص) ليدل بذلك على أن كل ما جاء به النبي إنما هو من عند الله نزل عليه بواسطة الوحي فقال(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) إنك يا محمد تحدث الناس عن موسى ولم تكن معه عندما دخل البقعة المقدسة وأرسله الله إلى بني إسرائيل، وإذا لم تكن معه وأنت تعلم كل شيء عنه فأنت إذاً نبي من دون شك.
(وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) لقد كان يوجد قبلك شعوب وملل وأمم كثيرة بعثنا إليهم الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين، ولكنهم بعد الأنبياء نسوا الوحي وحرّفوه ووضعوا القوانين الخاصة بهم، كل قبيلة تتعامل بقانونها الخاص وتقاليدها وعاداتها التي سيطرت على النفوس فجعلتها قاسية ومتحجرة وغمستها في الجاهلية العمياء، وقد احتاجوا إلى رسول يخرجهم من الظلمات إلى النور، فاخترناك يا محمد لهذه المهمة الشاقة لأن صعوبة المهمة من شأن المبعوث فيهم أو إليهم، فإذا كانوا مَرِنين كانت المهمة أسهل مما لو كانوا متحجري العقول.
(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) ولم تكن يا محمد موجوداً بجانب الطور عندما كلم الله موسى ولكن رحمة من الله أرسلك للناس وعلمك من أخبار الماضين لتعلمه للناس، وفيه قال تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
(وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)
بداية المواجهة بين الفريقين
في البحوث السابقة أشرنا إلى موضوع هلاك الظالمين بشكل موجز وانطلقنا في بياننا من سورة القصص التي لم يذكر فيها كل شيء حول قضية موسى وفرعون، والقرآن الكريم كتاب يتصل بعضه ببعض ويشهد بعضه على البعض الآخر، ولا يمكن أن ننطلق من سورة واحدة ونكتفي، بل لا بد من المرور على كل سورة تتحدث عن الواقعة المبحوث عنها لأن تكرار ذكر الحادثة في السورة الفلانية لم يكن نفسه المذكور في السورة الأخرى بل إن هناك زيادات وفوارق في البيان بين سورة وأخرى بحسب المقام الذي يذكر فيه القرآن الأحداث، فإن سورة يونس مثلاً لم تذكر جميع تفاصيل قصة موسى بل ذُكر الإتمام في سورة القصص.
قال تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) بعد أن أرسل الله نوحاً وهوداً وصالحاً وغيرهم من الأنبياء والرسل إلى أقوامهم فتجبرت أقوامهم وعتوا في الأرض مفسدين ظالمين معاندين استحقوا العقاب الرباني الذي نزل بهم وكانوا عبرة للآخرين، ولكن قلَّ المعتبرون وندر المتعَظون رغم تتالي بعث الأنبياء إليهم وإلقاء الحجة عليهم عن طريق الآيات البينات والبراهين الواضحات، ولم تقف المسيرة عند ذلك وإنما تابعت إرادة الله بإرسال الرسل إليهم، وهذا هو عين الرحمة الإلهية بالعباد الذين غضوا طرفهم عن تلك الرحمات والنعم وآثروا الضلال على الهدى والشقاء على السعادة، فبعث الله إليهم نبياً عظيماً ورسولاً كريماً بمعجزات عديدة ودلائل واضحة فلم يعتبروا بما حل في الأمم السالفة فكان شأنهم مع موسى كشأن الأقوام الماضية مع أنبيائهم.
فبعث الله موسى إلى فرعون وقال له(وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) عندما دخل موسى إلى قصر فرعون خاطبه بكل جرأة وبسالة ودعاه إلى الإيمان بالله الواحد القهار وطلب منه أن يترك بني إسرائيل وشأنهم فهم عبيد لله وليسوا عبيداً لك، وقد أخبره بأنه رسول رب العالمين إليه، ولا أقول على الله إلا الحق، يعني من الواجب عليّ أن أقول الحق كما كان يصنع الأنبياء السابقون، وأنا لم آت إليكم بلا دليل بل معي من الأدلة ما يكفي لبيان الحق، فقدَّم الدليل على نبوته وطلب من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل الذين كان يعاملهم فرعون كأرقاء يستخدمهم من دون رحمة ولا شفقة، ولا شك بأن فرعون تجاه تلك الدعوة لم يجلس مكتوف الأيدي وإنما أراد كعادته أن يطلب من أعوانه قتل موسى وأخيه، ولكنه قبل أن يأتي بأية حركة بادره موسى(ع) بتلك المعجزات التي أرسله ربه بها.
فِرْعَوْنُ يَطْلُبُ الدَلِيْلَ مِنْ مُوْسَى
بعد أن دعاه موسى إلى الإيمان بالله طلب فرعون منه الدليل القاطع على صدق ما جاء به، ولقد كانت الإرادة الإلهية حاضرة مع موسى فإنه وبلمح البصر أحدث أمامهم معجزة خارقة لقانون الطبيعة فانبهر الجميع وشعروا بالخوف والخطر لأنهم للمرة الأولى يرون مثل ما رأوا على يد موسى الذي كان يكره السحر والسحرة، فلم يتبادر إلى أذهانهم السحر للوهلة الأولى لأن ما جاء به ليس سحراً بل هو أمر آخر، وهذا الأمر الآخر هو الدليل المطلوب، فماذا صنع موسى وبماذا جاءهم؟ لقد جاءهم بأمر عظيم ودليل قاطع زلزل به أركانهم وأضعف به قوتهم وحط به جزءاً كبيراً من عزيمتهم، وقد أشار القرآن إلى طلب فرعون واستجابة موسى لطلبه على الفور حيث يقول(قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ)
لقد بدأت المواجهة الحقيقية والفعلية من هاتين المعجزتين الكبيرتين اللتين كان لهما أثر كبير على قلوب الناس.
المعجزة الأولى: وهي معجزة العصا، هذه العصا التي تحولت بقدرة الله تعالى إلى ثعبان كبير ومخيف حقيقة، وأقصد بالحقيقة تبدُّل تلك المادة من شيء إلى شيء آخر مباشرة، وليس الأمر كالسحر الذي هو عبارة عن خدعة يقوم بها الساحر، فلو استطاع الساحر أن يريك العصا ثعباناً ثم دنوت مما أراك والتقطها بيدك لالتقطت عصا وليس ثعباناً، أما لو دنوت من ثعبان موسى لأكلك ولن تعود إلى الوجود حتى لو عاد الثعبان عصا، وهذا هو الفرق بين السحر والمعجزة، فالسحر وهْمٌ، والمعجزة حقيقة، وهذا ما لفت انتباه فرعون حيث أشعره بالخوف، ولا مانع من أن يكون في أثنائها معتقداً بأن ما أتى به موسى هو نوع جديد من السحر، أنا شخصياً أرجح بأن يكون هذا المفهوم قد راود بعض الجهلاء، أما فرعون فلا يخفى عليه الحق لأنه كان على علم بأمر موسى وأنه النبي الموعود، فعندما ألقى موسى عصاه تحولت مباشرة إلى حيوان مخيف مكوَّن من لحم ودم وجوارح.
المعجزة الثانية: اليد البيضاء، فإذا استطاع فرعون وجنوده أن ينكروا المعجزة الأولى فلقد أتاهم بمعجزة أخرى تثبيتاً لأثر المعجزة الأولى لأن أثر الخوف من العصا أعظم من أثره في اليد البيضاء، وكيفية هذه المعجزة هو أن موسى(ع) كان أسمر اللون فوضع يده بين ذراعيه ثم أخرجها بيضاء ناصعة البياض.
وأمام هاتين الآيتين لم يكن أمام فرعون وزمرته إلا أن يوجهوا اتهاماً لموسى يضللون به قلوب بني إسرائيل(قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) لقد وردت هذه الآية في سورة الأعراف، وورد مثلها بنفس المعنى في سورة الشعراء حيث قال تعالى(قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ)
فنلاحظ بأنه تعالى في سورة الأعراف أسند هذا الإقتراح إلى قوم فرعون حيث قال(وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ) وفي سورة الشعراء أسنده إلى شخص فرعون حيث يقول(قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) فما سبب هذا الإختلاف في الإسناد، وهنا نمر بمرحلة دقيقة وحساسة لأن بعض ضعاف العقول وقليلي الإيمان يستخدمون مثل هذه الموارد لزرع الخلل في نفوس المؤمنين تجاه قرآنهم العظيم ومعجزتهم الخالدة الذي لا يأتيه الباطل من أي مكان والذي لا يوجد أدنى خلاف بين أوله وآخره، فما هو السر في هذا الإختلاف؟
وقبل أن ندخل في حل الإشكال نذكّركم بأن للقرآن الكريم استعمالات خاصة يلفت بها أنظار الناس إلى وجود شيء غامض في الأمر يجب البحث عنه من باب حثنا على التعمق والتأمل، نأتي للآيتين الكريمتين لنقول ليس فيهما ما يمكن أن يتوهمه بعض الناس فغاية الأمر أن الله -والله أعلم بمراده- يريد أن يقول لنا: إن فكرة هذا الإتهام لم تكن خاصة بفرعون بل إن هناك كثيراً ممن شهدوا الموقف قد راودتهم هذه الفكرة: معنى إسناد الأمر للفرد في إحداهما وللجمع في الأخرى هو أحد إحتمالين كلاهما صحيح:
الإحتمال الأول: وهو أن يكون فرعون صاحب هذه الفكرة التي وافقه عليها ملأه فصح نسب الفكرة إليهم كما صح نسبها إليه.
الإحتمال الثاني: أن تكون الفكرة من صنع هامان وأمثاله من شياطين الإنس، وقد وافقهم فرعون عليها فصح أن ينسب الأمر إليه لأن في يديه الحل والربط، فهو الآمر والناهي، وهذا يشبه كثيراً من الأفكار التي يتقدمون بها إلى الملك ويوافقهم عليها فيصح نسبها إلى الملك من دون شك.
تَحْدِيْدُ مَوْعِدٍ لِلْمُوَاجَهَةِ العَلَنِيَة
قال تعالى(وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)
بعد رفض فرعون للحق وإنكاره للمعجزات بدعوى أنها سحر عظيم أراد فرعون ومن حوله أن يطمئنوا لما أتى به موسى هل هو سحر كما يظنون أو يدعون؟ أم هو أمر آخر مطابق لما قاله موسى وأخوه هارون؟ يعني هل هذا الصنيع صنيع الخالق القدير رب السموات والأرضين.
لا شك بأن هذه الأمور أخذت تراود قلوب الناس، فهم رأوا الكثير من السحر لأنه كان تسلية لهم يملؤون به أوقات فراغهم، ولقد عاصروا أقوى السحرة حتى اشتهر زمانهم بالسحر، ولكنهم لم يروا ما رأوه اليوم من موسى، فبقي الشك يراود قلوبهم باستثناء فرعون، وهنا أريد أن أفلسف شعوره لتتضح لنا الفكرة أكثر، فإنه قد يسألنا السائل فيقول إنكم ادعيتم في بحث سابق بأن فرعون كان موقناً بصدق ما جاء به موسى ولكنه لم يكن من مصلحته التفوُّه بأية كلمة؟ نقول إن فرعون كان متيقناً بأن العصا وبياض اليد ليسا من السحر، ولكنه ربما ظن بأن السحرة قادرون على الغلبة رغم علمه بكونهما أجنبيين عن فن السحر، ولكنه حاول أن يقوم بشيء تجاه الأمر بدل أن يسكت ويُتهم بالضعف من قِبل قومه، أو ربما حاول أن يكسب الوقت فأجل المواجهة فترة طويلة إما ليستطيع أن يجمع أعظم السحرة في العالم، وإما أنه متيقن بأن السحرة مغلوبون ومهزومون ولكنه أراد أن يكسب عامل الوقت من أجل التفكير بطريقة يقضي بها على موسى وأخيه ومن آمن معهما, وهنا لا بد من حسم الموقف، يقول بأن ما صنعه هو المعجزة، وكلامه منطقي وموقفه صواب، وفرعون يدعي أنه سحر، فكيف يمكن حل هذه المشكلة؟ كان الحل هو أن يتواجه موسى مع أقوى السحرة في العالم، فإذا هزم السحرة كان ما جاء به إعجازاً وليس سحراً، أما إذا تغلب عليه السحرة فقد هلك، وقد صدّق الناس اتهام فرعون لموسى لكثرة رواج السحر في زمانهم، وقد شاءت القدرة الإلهية أن ترسل الأنبياء بمعجزات تتغلب على أرقى فنون عصرهم، ففي زمن موسى كان السحر، وفي زمن عيسى كان الطب، وفي زمن خاتم النبيين اشتهرت البلاغة والفصاحة فأتاهم بمعجزة القرآن الكريم، فالذى ساعد على كشف الحقيقة وكون القرآن معجزة هم أهل البلاغة والفصاحة الذين سجدت قلوبهم أمام تلك العظمة، والذي ساعد على فهم معجزات عيسى هم الأطباء لكونهم أهل الخبرة بهذا الفن، وأما السحرة في عهد موسى فلقد كان أثر سجودهم بعد أن رأوا المعجزة أقوى من أثر نفس المعجزة على بني إسرائيل ممن كانوا لا يميزون بين الأمرين.
(قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) أخرهما لنرى ما سوف يكون من أمرهما ثم أرسل حراسك لحشر السحرة وجمعهم من أقطار مصر لأن مصر آنذاك كانت تموج بكثرة السحرة، وأتى السحرة إلى قصر فرعون يسألون عن سبب جمعهم فأخبروهم القصة فتعاطوا مع الأمر بغاية السهولة لأنهم واثقون بقدرتهم على القيام بأرقى أنواع فطمأنوا فرعون من أنهم سوف يتغلبون على موسى بكل بساطة وقد طلبوا من فرعون أجراً كبيراً إذا كانوا فوافق على كل طلباتهم.
وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم حيث يقول(وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) وقد أغراهم بأكثر مما طلبوه من أجل أن يستميتوا في سبيل القضاء على موسى، وما عرضه عليهم فرعون من الإغراءات لم يكن بالشيء اليسير بل كان أمراً يطمح له كل إنسان يعيش تحت حكمه.
المواجهة الحاسمة بين موسى والسحرة
لقد حُدد موعد للمواجهة، وقد حُشر الناس في مكان معيّن ليشهدوا هزيمة موسى بحسب زعم فرعون الذي أراد أن يلقن أهل مصر درساً لا ينسونه أبداً من خلال القضاء على موسى الذي كان يعتبر أجرأ وأقوى رجل في أهل مصر لأنه استطاع أن يقف في وجه طاغية عصره، فلقد حشر عدداً هائلاً من الناس مستعيناً بجميع السحرة وجلس على عرشه وهو مملوء بالتكبر والتعجرف وعلامات النصر ظاهرة على وجهه.
وبدأت تلك المواجهة الحاسمة بين الفريقين فوقف موسى وهارون في ناحية، والسحرة في ناحية ثانية، وقالوا لموسى إبدأ فرفض أن يكون البادئ ولعلهم كانوا يرغبون هم بالبدء كي يهزموا موسى وأخاه قبل أن يأتيا بأية حركة وتكون المسألة سهلة للغاية، (قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوْاْ) فألقوا حبالاً كانت معهم فخيّل للناس بأنها أفاعي، ولعل السبب في استعمال هذا النوع من السحر هو أن موسى حوّل عصاه إلى ثعبان، فلقد أرادوا أن يظهروا قوتهم وأنهم قادرون على الإتيان بمئات الثعابين التي يمكن لها التغلب على الثعبان الواحد الذي جاء به موسى، وهنا سحروا أعين الناس فخاف الجميع مما رأوا على أيدي السحرة باستثناء موسى وهارون حيث كانا يعلمان حقيقة الأمر لأن الله تعالى أخبرهما بأن الساحر لا يفلح ولا ينتصر،(فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) والقرآن الكريم يصف سحرهم بالأمر العظيم لأنهم بلغوا غاية الفنون السحرية بحيث لم يوجد في العالم كله من ينافسهم على سحرهم، والآية هنا لم تشر إلى ما كان بأيديهم فلقد كان معهم حبال وعصي فإذا حوَّل موسى العصا إلى ثعبان فهم قادرون على أن يحولوا العصي والحبال إلى ثعابين، فهم إذاً أهم وأقوى من موسى كما توهموا، ولكن القرآن في سورة طه يشير إلى ما حمله السحرة حيث قال تعالى(قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)
ويمكن لنا أن نقرب الحالة التي كان عليها الناس تجاه فعل السحرة من خلال الخوف الذي شعر به موسى(ع) ورغم ذلك كان فعلهم وهماً وفعله حقيقة، ولا بد للحقيقة أن تنتصر على الأوهام، ولا بد للهدى أن يمحق الضلال.
فعندما فعل السحرة ذلك بدت على وجوه القوم ملامح الإنتصار، وفي تلك الأثناء أوحى الله تعالى إلى كليمه موسى(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) وبينما هم في تلك الحالة وإذا بموسى يلقي عصاه على الأرض فتتحول بقدرة الله عز وجل إلى ثعبان كبير ومخيف يأكل حبال السحرة وعصيهم بلمح البصر ويزيل بذلك أثر السحر، وعندما رأى الناس ذلك شعروا بخوف عظيم وكبير أنساهم خوفهم من حبال السحرة، ولقد كان أمراً مدهشاً للغاية حيث تبدلت الموازين في لحظة واحدة فبعد أن كانت ملامح النصر هي الغالبة على وجوههم وإذا بموسى يهزمهم بلحظة واحدة، ثم عادت العصا إلى طبيعتها ولم تعد الحبال والعصي إليهم، فلو كان ما قام به سحراً ثم انتهى أثره لعادت إليهم حبالهم، وهذا ما أدهش السحرة لأنهم عندما رأوا طريقة موسى علموا بأن هذه الطريقة ليست طريقة السحر، فهل هناك قواعد أخرى للسحر؟ فلو كان هناك مثل تلك القواعد لعرفوها قبل موسى لأنهم الأقدر على فن السحر، وفي تلك الأثناء سجد السحرة أمام موسى معلنين إيمانهم بما أتى به موسى، ولا شك بأن كثيراً من الناس آمنوا بموسى من خلال سجود السحرة له حيث أثبت سجودهم أن ما جاء به موسى بن عمران لم يكن سحراً وإلا فلو أصر السحرة على العناد لما أمن من بني إسرائيل سوى قلة ممن لا يؤمنون بالسحر، ولكن شاءت قدرة الله تعالى أن يثبت الحق وينتصر على الباطل لتكون تلك المواجهة درساً خالداً للبشرية عبر الزمن(فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)
إصرار فرعون على الكفر
هناك فرق كبير بين من يعرف الحق وينكره ومن لا يعرف الحق فيبقى على الباطل، أما الأول فهو ما نُطلق عليه صفة العناد لأنه انكشف له الحق وأصر على الباطل فهو من أشد الناس قبحاً في يوم الحساب، كفرعون الذي رأى الآيات ولمس المعجزات ورغم ذلك أصر على كونه الإله الأوحد وأنه لا يوجد من ينازعه على هذا المنصب.
لقد أعمى العناد قلبه وأغفله حب الدنيا عن كل شيء فلم يعد يرى أمامه سوى القتل والذبح والإجرام فحكم على المؤمنين بالقتل وعلى أزواجهم بالإستحياء وعلى أولادهم بالذبح ليحافظ بتلك الممارسات البشعة على ملكه وسلطانه، غير أن يد القدرة حالت بينه وبين تنفيذ وعيده إذ أهلكه الله قبل ذلك ليكون عبرة لكل ظالم ومتكبر، فبعد أن خر السحرة ساجدين أمام القدرة الإلهية توعَّدهم فرعون بعد أن اتهمهم بالتآمر عليه وكان توجيه هذا الإتهام تمويهاً وتضليلاً للآخرين فإنه بالأمس كان السحرة مقربين لديه وأوفياء له وهو يعلم مدى إخلاصهم، فما الذي تبدل حتى يغير نظرته فيهم بهذا الشكل السريع.
لقد ذكر لنا القرآن ذلك حيث قال(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)
وهنا راح فرعون يهددهم ويدعوهم إلى العودة عن إيمانهم مستعملاً معهم كل وسائل التهديد والوعيد، غير أن تهديداته لم تؤثر بهم لأن ما رأوه من موسى كان الحق الذي لا شك فيه على الإطلاق.
وبعد أن سمع السحرة ما قاله فرعون أجابوه بلغة المؤمن الواثق بربه والمستميت في سبيله فقالوا له(قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) نحن عائدون إلى ربنا بعد الضلال الذي كنا منغمسين فيه تحت رحمتك وظلمك، ولا يوجد سبب لتعذيبك إيانا إلا لأننا آمنا بالله الواحد الأحد.
وهنا بدأت وسوسات أهل الدنيا الذين عاشوا في ظل فرعون وباعوا ضمائرهم له وجعلوا من أنفسهم عبيداً أذلاء ينفذون كل رغباته وجرائمه من دون تردد أمثال هامان الذي لا يقل ظلمه عن ظلم فرعون فهو الذي كان العقل المدبر له.
لم يسكت القوم عما حدث فراح كل واحد منهم يجدد ولاءه لفرعون بهدف القرب منه ويطرح عليه فكرة معينة تنهي له المشكلة فراحوا يحرضون فرعون أكثر ويزيدون في غضبه على موسى ومن آمن معه(وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) لقد اعتبروا الصلاح فساداً وهذا حكم الجائرين، هل تريد يا فرعون أن تترك موسى ومن آمن معه يتحركون بحرية ويفعلون ما يشاؤون، وهنا ازداد غيظ فرعون فأمر بقتل أبناء المؤمنين واستحياء نسائهم لأنه الأقوى والأعلى(قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) وعندما سمع المؤمنون ذلك خافوا على عيالهم، ومن الطبيعي أن يخاف الرجل على زوجته وأولاده، فتوجه موسى نحوهم وقال(قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) إن هذه المرحلة تحتاج إلى التحلي بالصبر فهو العامل الأنفع لكم في هذا الوضع وإن الله تعالى معكم ما دمتم صابرين، فدعاهم إلى الإتكال على الله وحده فإن الذي يصنع المعجزات التي رأوها قادر على أن يفعل ما هو أعظم من ذلك في سبيل حماية أهل الإيمان وإنقاذهم من الظلم،(قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) هذا امتحان لكم وعسى أن يهلك الله هذا العدو ليريحكم من ظلمه ويستخلفكم في الأرض، وقد أهلك الله فرعون وجنوده.
ولقد ذكر القرآن هذا الحدث في سورة طه حيث يقول(قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
هلاك فرعون وجنوده
لقد ذمّ الله فرعون والذين كانوا معه قال تعالى(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)
وهنا يذكر القرآن النتيجة الطبيعية لهذا السلوك السيئ سلوك الإستكبار وسلوك الظلم بجميع أشكاله فأتى الحكم الإلهي العادل في حق هذا الجائر ومن كان يعاونه وذلك حينما أوحى الله إلى كليمه موسى أن يضرب البحر بتلك العصا عندما حوصر هو والمؤمنون فكان البحر أمامهم والعدو وراءهم ولم يكن لهم أن ينجوا إلا بمعجزة إلهية يمن الله بها عليهم، وكان ذلك بالفعل عندما انفلق البحر فارتفعت المياه فأصبحت كالجدارين العاليين يتوسطهما طريق على اليابسة، وقد كان الأمر مدهشاً للجميع لمن كان مع موسى ولمن كان مع فرعون، حيث كانت تلك إحدى أكبر المعجزات التي أنبأت عن صدق موسى فيما يدعو إليه.
وهنا يجدر بنا التأمل قليلاً في بعض خصائص هذا الإعجاز الكبير.
فلم يكن الثعبان المعجزة الأولى أو الأخيرة، ولم تتوجه القدرة الإلهية إلى تلك العصا مرة واحدة، وإنما توجهت أكثر من مرة ليعلم الناس بأن العصا ليست مسحورة بل هي عبارة عن خشبة عادية لا تضر ولا تنفع لولا قدرة الله تعالى.
لقد تجلت القدرة الإلهية إلى تلك العصا خمس مرات:
- مرة في الواد المقدس عندما دنا موسى من الشجرة المشتعلة وكلمه ربه.
- ومرة أمام فرعون داخل قصره عندما دعاه موسى إلى الإيمان وطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل.
- ومرة يوم المواجهة الكبرى بين موسى والسحرة وقد كانت تلك العصا كارثة فعلية على فرعون وحكمه.
- ومرة عندما ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.
- ومرة خامسة عندما حوصر موسى وأتباعه من قبل فرعون وجنوده فاوحى الله إلى موسى بأن يلقي تلك العصا في البحر فانفلق البحر بإذن الله.
إذاً.. أوحى الله تعالى إلى كليمه موسى بأن يلقي تلك العصا في البحر فألقاها فيه وإذا بالبحر العظيم ذي الأمواج الهائلة قد انفلق نصفين حتى بانت الأرض تحته وكان الماء عن اليمين وعن الشمال كالجدار العالي فمشى موسى في مقدمة المؤمنين بين هذين الجبلين المائيين وفرعون ينظر إليهم بدهشة، فلحق بهم هو وجنوده وعندما وصل موسى إلى اليابسة من الطرف الآخر كان فرعون وجنوده قد أصبحا في الوسط فتجلت القدرة الإلهية مجدداً للماء فانطبق الماء عليهم وأهلك الله فرعون وجنوده بتلك المعجزة الكبرى التي كانت آية للعالمين.
ويمكن لنا معرفة حجم تلك الطريق التي شقها الله تعالى من خلال استيعابها لكل جنود فرعون وهم يعدون بعشرات الآلاف.
وقد اشتملت هذه المعجزة على عدة أطراف:
الطرف الأول: وهو انفلاق البحر.
الطرف الثاني: عدم انطباق الماء حتى اجتاز موسى ومن كان معه من المؤمنين به.
الطرف الثالث: استمرار مفعول الإعجاز حتى قرر فرعون اجتياز ذلك الشق.
الطرف الرابع: وهو انطباق الماء بعد أن أصبح فرعون وجميع جنوده وسط ذلك الشق العظيم.
وفي ذلك قال تعالى(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)
ماذا بعد هلاك فرعون
لقد منّ الله على المؤمنين في عهد كليمه موسى عندما أهلك مصدر قلقهم وأساس كل بلاء نزل فيهم، لقد فلق الله البحر لموسى فاجتاز الطريق هو والمؤمنون بسلام حتى وصلوا إلى بر الأمان، ولقد كانت نفوس بني إسرائيل مريضة، ولذلك شاءت حكمة الله أن تظهر جثة فرعون على الشاطئ ليراها الناس ويطمئنوا بهلاكه ويوقنوا بأنه كان بشراً مثلهم، فنظر الجميع إلى تلك الجثة التي حملت في حياتها روحاً قذرة ونفساً سيئة، وكان فرعون عند شعوره بخطر الموت أعلن إيمانه ولكن ذلك أتى بعد فوات الأوان، حتى ولو أخرجه الله إلى البر ونجاه من الغرق فإنه سوف يعود لما كان عليه لأن طبيعة الإنسان تفرض عليه أن يذكر الله في حالات الشدة وينساه عند رفع البلاء، قال تعالى(حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) وهنا يذكر لنا تلك العبرة التي لا ينبغي أن تُنسى أبداً حيث كان ما حدث لفرعون وجنوده عظيماً ورحيماً وآية من آيات رب العالمين، فعندما أحاط الموت بفرعون وعاينه اعترف بأنه لا إله إلا الله وأن موسى مرسل من عنده حقاً، ونحن هنا على سبيل الإفتراض نقول: إنه لو كان فرعون قبل ذلك خالي الذهن من فكرة التوحيد والرسل والنبوات والتاريخ القريب منه لأمكن أن يُعطى فرصة يعلن فيها توبته عما قام به من أنواع الظلم، ولكنه بما أنه كان على علم بما جاء به موسى فلقد استحق ما نزل به وحُرم من التوبة والغفران لأنه ليس أهلاً لهما.
فبعدما أدركه الغرق وأعلن التوبة والإسلام أتى الجواب الإلهي بالنفي حيث قال تعالى(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) وأمام هذا الحوار ينبغي الوقوف على كيفيته فهل كان هناك حوار بين فرعون وربه؟ بالطبع لم يكن هناك حوار بينه وبين الله حيث لا يستحق ذلك، وهنا يوجد احتمالان:
الإحتمال الأول: أن الحوار دار بين فرعون وموسى بمعنى أن موسى كان ما يزال يرى فرعون أثناء الغرق وقد سمع منه التوبة وإعلان الإيمان فأجابه بأنه لا توبة لك بعد أن رفضتها مرات عديدة قبل أن يدركك الغرق.
الإحتمال الثاني: أنه لم يدر حوار لا بين فرعون وربه ولا بين فرعون وموسى وإنما ذكر لنا القرآن ما يكشف عن إرادة الله تعالى وكأن الله يخبر رسوله بالجواب الذي ينبغي أن يقال لفرعون وأمثاله، وهنا احتمال وهو أن هذه العبارة(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) لعلها لم تُلفَظ في عهد موسى وإنما كانت عبرة لنا نحن أمة محمد(ص) ولعل فرعون لم يستطع النطق بما يدل على الإيمان وقد أظهر لنا الله ما دار في خاطر فرعون أثناء الغرق، ونحن بدورنا نرجح هذا الإحتمال لأن لسان الآية الكريمة لا يوحي بإجراء حوار بين فرعون وأحد.
ولا شك بأنه كان في قوم موسى أشخاص تحكمهم الميول والأهواء فلم يستقروا على المبادئ التي رسمها لهم نبيهم كما سوف نشير في البحوث الآتية، فلعله كان من بين من رأى تلك الآية التي قضي بها على جبروت فرعون من يظن بأنه حقاً إله، ولكيلا يبقى هذا الشعور مسيطراً على البعض منهم فلقد أراهم الله آية أخرى عندما أمر البحر بأن يلقي جسد فرعون إلى الشاطئ، وإلى هذا المعنى يشير القرآن المجيد بقوله(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) كثير من الناس غافلون عن القدرة الإلهية وعن الحق رغم ظهوره بشكل واضح وجلي.
بعض آيات الله لبني إسرائيل
قال سبحانه وتعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) والمراد بالآية هو المعجزة التي يقدمها الأنبياء كأدلة على صدق نبواتهم، ومع ملاحظة بعض الآيات التي تتحدث عن تلك المعجزات نجد بأن عددها تجاوز هذا الرقم، ولعل المقصود بالتسع هنا هي الآيات الخاصة ببعض المراحل التي مر بها موسى(ع) وهي قطعاً لا تعني الجميع لأنها أكثر من ذلك.
منها: تكليم موسى وبياض اليد واشتعال الشجرة وقلع الجبل وتحوُّل العصا إلى ثعبان وفلق البحر وإخراج الماء من الصخر وإحياء الميت والطوفان والقمل والجراد والضفادع وإنزال المن والسلوى والدم، وهناك العديد من الآيات منها، معنى ذلك أن المراد بالتسع هو ما يختص بمرحلة من مراحل حياته الرسالية.
وفي هذا البحث سوف نشير إلى تلك الآيات بشكل موجز.
قال تعالى(وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) لقد ابتلاهم ربهم بالجدب والقحط ونقص من الثمرات، ولكنهم كانوا إذا نزلت إليهم الحسنة ادعوا أنها من حقهم وأنهم شعب مميز يستحق التكريم والنعم والحسنات، أما إذا نزل بهم البلاء وحلت عليهم المصائب والكوارث تشاءموا بموسى وبالمؤمنين وأنهم السبب في حلول تلك الكوارث.
والله تعالى يخبر كليمه موسى بأن يقول لهم إن الأمر يعود لله عز وجل فهو الفعال لنا يريد وهو الذي يرحم أمة ويعذب آخرين.
(وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) ورغم عظمة ما رأوه من المعجزات العظيمة والآيات الكبيرة أصروا على الكفر وأعلنوا رفضهم لقبول أي شيء مدعين ومصرين على أن ما أتاهم به إنما هو السحر، وأما هذه الحالة لم يكن بد من نزول البلاء عليهم لتتحرك به مشاعرهم ويتوبوا إلى الله ربهم.
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) لقد ابتلاهم ربهم ببلاءات عظيمة وكان المخرج منها موسى(ع) الذي كانوا يلجؤون إليه في حالات الشدة فيتوجه إلى الله بالدعاء فينكشف عنهم البلاء فإذا انكشف البلاء رجعوا إلى الكفر الذي كانوا عليه قبله.
ففي المرة الأولى ابتلاهم بالطوفان، وهو مطر غزير أغرق بيوتهم وتلف زروعهم وعطّل لهم كثيراً من شؤون حياتهم فأتوأ نبيهم موسى وسألوه الخلاص فأنقذهم الله من هذا البلاء ليكون إحدى الآيات الدالة على صدق كليمه فاستأنسوا بذلك ثم عادوا إلى الكفر والضلال فابتلاهم الله بالجراد تلك الحشرات الفتاكة التي تأكل الأخضر واليابس فلم يعد عندهم ما يأكلونه، فسألوا موسى الخلاص ثم جرى ما جرى في المرة الأولى، ثم أرسل عليهم القمّل وهي الحشرات الصغيرة التي تعلقت بأجسامهم وثيابهم فلم يعودوا يطيقون العيش، ثم ابتلاهم بالضفادع التي دخلت بيوتهم وجلست في أواني طعامهم وشرابهم، ثم ابتلاهم بالدماء حيث تحول طعامهم وشرابهم وكل ما يلمسونه إلى دم فأنقذهم من ذلك كله ورفع عنهم البلاء وكان كلما رفع عنهم بلاءاً رجعوا إلى الكفر، وقد ذكر القرآن تلك الحالة وكشف لنا عن قبح نفسياتهم المريضة حيث قال(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)
بداية الرحلة مع بني إسرائيل
إستراح بنوا إسرائيل من ظلم فرعون، وأدى موسى(ع) جزءاً من مهمته المكلف بها من قبل الله سبحانه وتعالى، ولكن العقبات لم تزُل بموت فرعون، ولم يقف الأمر عند هذه الحدود حيث واجه موسى والمؤمنون كثيراً من العقبات والمشاكل.
ولأجل ذلك يمكن القول بأن الهموم التي حملها موسى من بني إسرائيل بعد هلاك فرعون أثقل من الهموم التي حملها قبل هلاكه لأن اليهود شعب كانوا وما يزالون متلونين ومنافقين يعطونك من طرف ألسنتهم الكلام العذب والموافقة الظاهرية لمقترحاتك ولكنهم في الجانب الآخر يطعنونك بظهرك ويحفرون لك الأفخاخ القاتلة.
لقد كان تاريخهم طويلاً جداً حيث دامت دولتهم مدة طويلة من الزمن وبعث الله لهم مئات الأنبياء فأجابوهم بالقتل.
وقد منّ الله عليهم إذ أورثهم الأرض من بعد فرعون ومن بعد موسى أيضاً، وذلك بعد أن كانوا يُستضعفون من قبل فرعون وجنوده، وفيه قال سبحانه(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)
لقد أورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها وبارك لهم فيها فجعلها خصبة معطاءاً في كل الفصول، ولكن كثيراً منهم كفروا بالنعمة ونسوا فضائل ربهم عليهم.
وبدأت الرحلة الطويلة التي اصطحب فيها موسى من خرج معه من المؤمنين، قال تعالى(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) فعندما اجتازوا الطريق التي شقها موسى في البحر بقدرة الله عز وجل تابعوا معه السير حتى وصلوا إلى منطقة رأوا فيها أمة تعبد الأصنام فقالوا لموسى بكل وقاحة: إجعل لنا أصناماً نعبدها كما يصنع هؤلاء: فرفض موسى هذا الطلب بشدة ثم أخبرهم بهلاك هؤلاء هم وأصنامهم حيث قال(إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) إن ما هم عليه من الشرك متبّر أي مهلَك ومدمَر عما قريب وقد فضلكم ربكم بالإيمان على العالمين فلا تنزلوا إلى هذا المستوى الوضيع بعد أن رفعكم الله تعالى، ثم وعظهم قائلاً(قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) هل أدلكم على غير الله وهو ربكم ومولاكم وخالقكم ورازقكم، وهو من يستحق العبادة دون سواه من مخلوقاته الوضيعة والحقيرة كتلك الأصنام التي تريدون مثلها.
وقد ذكّرهم موسى بفضل الله عليهم والذي لولا فضله لقتلهم فرعون واستحيى نساءهم(وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)
وفي سورة إبراهيم أشار القرآن الكريم إلى حوار موسى مع بني إسرائيل وقد ذكرهم بنعم الله عليهم، قال تعالى(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)
موسى والميقات
إن موسى بن عمران ثالث أنبياء العزم الذين جعلهم ربهم أصحاب شرائع يعلمونها للناس ويرشدونهم بها إلى الصواب، فلقد طلب موسى من ربه سبحانه وتعالى أن ينزل عليه كتاباً يهدي به الناس فوعده ذلك بعد ثلاثين ليلة، وقد علم بنوا إسرائيل بهذا الطلب الذي سوف يشرفهم به ربهم، قال تعالى(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) فبعد ثلاثين ليلة سوف تنزل عليه الألواح وقد استمر نزولها عليه عشر ليال أي أنها نزلت بالتدريج فتم ميقات الله لموسى خلال أربعين ليلة، وقبل خروجه إلى الجبل للمناجاة كلّف أخاه هارون بتدبير شؤون بني إسرائيل لأنهم بحاجة إلى الرعاية والإنتباه كيلا يغويهم أي طارئ لأنهم أصحاب سوابق بهذا الأمر،(وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) أعط كل اهتمامك ووقتك وانتباهك لهم وإياك أن تدير أذنيك أو قلبك لأي شيء لا يصب في المصلحة الإيمانية العامة، وتوجه موسى نحو الجبل(وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)
لقد أوحى الله إليه فحدد له وقت نزول التوراة فذهب إلى الجبل في الوقت المحدد وترك وراءه أمة من الناس لا يؤمَن عليهم من الإنحراف، فوصل إلى المكان المحدد فكلمه ربه، وقبل إتمام هذا الحدث نقف على حقيقة هذا التكليم، فلقد عرفنا في البحوث الأولى حول اصطفاء موسى كيف خلق الله له صوتاً من وراء الشجرة وأشرنا هناك إلى واقع هذا التكليم نافين أن يكون صوت الخالق المنزه عن خصال المخلوقات وجميع شؤون المادة، فهل حصل التكليم لموسى مرة أخرى أم كان لهذا التكليم معنى آخر؟ طبعاً المعنى الأول هو خلق الصوت فلقد سمع موسى مثل ذلك من قبل ولا مانع منه، وربما يقال إن التكليم هنا هو عبر الصحف التي أنزلها ربه عليه من أجل هداية الناس كما يقال في القرآن الكريم: من أراد أن يكلمه ربه فليقرأ القرآن: لأنه تكليم من الله لكل قارئ، ولكننا في قضية الميقات هنا نرجح أن يكون التكليم هو خلق الصوت لأن الكلام الذي دار بينهما لم يكن له علاقة بالصحف بل كان أمراً خاصاً بموسى كما سوف نشير إليه بعد قليل.
فبعد أن كلمه ربه اندفع موسى من باب حبه لله إلى طلب عظيم لا يوجد له تحقق في الخارج، لقد طلب موسى من ربه أن يراه جهرة أي بالعين، فقال له الله لن تراني ولكنه تعالى لم يترك الله موسى في هذا الوضع بل أراد أن يثبّت فؤاده أكثر فقال له(انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) يعني إذا بقي الجبل قائماً في مكانه فسوف تراني، ولعل هذه العبارة وردت من باب التأكيد على عدم الرؤيا لأن أمر الله تعالى قد توجه للجبل فجعله دكاً فلم يبق الجبل مكانه وهذا يعني أنه لا يقدر أحد أن يرى الله لأنه تعالى في الأصل يرى ولا يُرى، نعم تمكن رؤيته بالعقل والقلب مع تنزيهه عن المادة إذ لا نقصد بالرؤية العقلية والرؤيا القلبية أن نتصور لله شكلاً معيناً بل نقصد بذلك أن نتصور القدرة التي لا تُرى ولا تُتصور بوجه من الوجوه، فلقد قلع الله الجبل من مكانه ليقول لموسى وللجميع ليس المهم أن يُرى الله بالعين بل المهم هو أن تؤمنوا بأنه موجود وقادر على كل شيء.
وعندما شاهد موسى هذا العمل العظيم والإعجاز الكبير الذي ينبئ عن عظيم القدرة الإلهية خر صعقاً، أي أنه أغمي عليه لهول الأمر، وعندما رجع إلى وعيه تاب إلى الله من هذا الطلب، وقد أخبره ربه بأنه اصطفاه على الناس بالرسالات التي ألقاها إليه والتي سوف ينزلها عليه حيث يقول(قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)
وقد أنزل الله إليه صحفاً مكتوباً فيها ما يحتاج إليه الناس من دلائل الهداية والرشد وهو الكتاب السماوي المعروف بالتوراة(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ) ثم أمره بأن يأخذ هذه التعاليم إلى الناس ويلقيها إليهم ليعرف كل واحد منهم تكليفه وحدوده(فخذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) خذ التوراة واعمل بها بجد ونشاط وأمر قومك بالعمل حسب ما ورد فيها فإن ما جاء فيها هو الطريق الذي يوصل بهم إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) أي أن الله تعالى سوف يمنع الجبابرة والطواغين من المس بهذا الكتاب السماوي فلا يستطيعون أن يبطلوه أو يواجهوه، ثم واعد المستكبرين عن عبادته فقال(وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
عودة موسى من الميقات
رجع موسى(ع) من الميقات بعد مضي أربعين ليلة كما هو الظاهر فوجد بني إسرائيل على حالة غير التي كانوا عليها قبل رحيله، لقد تركهم مؤمنين بالله عز وجل وجعل عليهم أخاه هارون يدير لهم شؤونهم الدينية بالدرجة الأولى، وجدهم قد اتخذوا مع الله إلهاً آخر، إتخذوا عجلاً وسوس لهم به السامري، ولقد حدثنا كتاب الله عن اتخاذهم لهذا الوثن إلهاً حيث يقول(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ) لقد صنعوا من الحُلي جسماً على صورة عجل يحدث صوتاً شبيهاً بصوت البقر، وهو المعبر عنه في الآية (بالخوار) وقد كانوا فرحين به لأنه صنم نادر الوجود فهو متطور في نظرهم لأنهم زادوا عليه الصوت، وهنا أراد الله تعالى أن يعظهم تجاه هذا الصنم فقال ألم يروا أنه لا يكلمهم، ولا خير في إله لا ينفع الناس ولا يعلّمهم، فلقد كان ذلك موضع عجب ودهشة لدى موسى، ولكنه كان عجباً مشحوناً بالغضب والغيظ من تلك النفسيات المريضة.
(وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فبعد أن ظهر لهم سوء فعلهم وعلموا بأنهم ضلوا طلبوا المغفرة من الله عز وجل فغفر لهم وفتح لهم مجالاً آخر للسير في طريق الرشاد.
(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
رجع موسى إلى قومه وهو غضبان من سلوكهم الجائر فوبخهم وأوهن لهم ما صنعوا، بئس هذه العبادة التي شغلتكم عن عبادة ربكم، وقد حمّل المسؤولية لأخيه هارون، ثم طلب المغفرة له ولأخيه هارون(قال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
ثم بيّن لنا عاقبة الذين اتخذوا العجل حيث يقول(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) هذه هي النتيجة الطبيعية لكل مفتر على الله ورسله، وعلى كل حال فإن المجال ما زال مفتوحاً أمامهم للتوبة، ورحمة الله وسعت كل شيء فإذا أرادوا العودة إليه فسوف يجدونه تواباً رحيماً(وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
وعندما هدأ غضبه بدأ يتابع مهمته التبليغية مبيناً للناس حلال الله وحرامه وحدوده كيلا يتعدى الناس حدود ربهم.
وكانت فكرة صناعة العجل بهذه الكيفية الذكية فكرة رجل غضب الله عليه ولعنه، وهو يدعى السامري، وقد جرى حوار بين موسى والسامري في شأن هذا الإفتراء الذي أوقع به بني إسرائيل في الخطأ.
موسى يواجه السامري
كانت المرحلة التي يمر بها موسى وبنوا إسرائيل حساسة ودقيقة لا تتحمل أدنى خدش عقائدي ولا تقبل أية فكرة خاطئة حيث كانت الغلبة للأهواء خصوصاً وأن فكرة التوحيد كانت حديثة عهد بالظهور، فلم تكن بعدُ قد ثبتت في نفوسهم.
لقد كانت الساحة خالية ومفتوحة أمام أية فكرة تصدر عن أحدهم مهما كان حجمها من حيث الصحة والفساد، ففي خضم هذه الظروف الحساسة وسوس الشيطان لرجل فاسد يدعى السامري فألهمه أن يصنع صنماً على صورة عجل وعلمه كيفية خاصة، وقد رحب بنوا إسرائيل بهذا الفن الرائع الذي لم يعهدوا مثله من قبل فعكفوا على ذلك الصنم، فرجع موسى بعد أن تم ميقات ربه إليهم وهو غضبان مما جرى.
لقد واجه موسى(ع) السامري بكل جرأة وقوة كما صرّح القرآن الكريم(قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ) يعني لماذا أقدمت على هذا العمل ووسوست لبني إسرائيل بعد أن آمنوا بالله عز وجل، فأجابه السامري بلغة الحاقد على الإيمان وأهله بأنه صنع للناس معجزة لأنه استطاع أن يصنع عجلاً له خوار مدعياً أنه قبض قبضة من أثر الرسول ثم دعته نفسه وإلهامه إلى اختراع هذا الشيء، قال تعالى حاكياً عن جواب السامري لموسى(قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) يعني لقد وصلت من خلال معرفتي وقدسيتي إلى ما لم يصل إليه بنوا إسرائيل رغم اتباعهم لك، فغضب موسى عليه ودعا عليه بمرض نادر الوجود وقد أصيب بذلك المرض الذي عُبّر في القرآن عنه بالنتيجة وليس بالإسم، فإننا تارة نطلق على الشيء إسماً على المرض مثلاً فنقول هذا قرحة أو سل أو حمى، وأخرى نعبّر عن المرض بأحدى نتائجه، وهذا ما ذُكر حول المرض الذي أصيب به السامري، والذي أشار القرآن إليه بقوله(قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ) سوف يخاف السامري من كل شيء وسوف يصبح منبوذاً من الجميع لا أحد يقترب منه ولا هو يرغب بأن يقترب منه أحد.
ولم يقف عقابه عند هذا الحد ولم يكن هذا العقاب تكفيراً لذنبه وإنما كان جزاءاً مستعجلاً قبل جزاء الآخرة لأنه سوف يحاسب حساباً عادلاً في يوم القيامة، قال تعالى(وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ) لن يتغير ولن يتبدل وهو في يوم الحساب يوم يقف الناس خائفين مذعورين من النتائج التي قد يكلفهم بعضها الخلود في العذاب الأليم.
وبعد أن ألقى الله العذاب الدنيوي على السامري أشعل موسى النيران في الصنم العجيب ثم رمى رماده في البحر على مرأى ومسمع من الجميع.
قال سبحانه(وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) هذا الإله الذي كنت تعبده أنت والذين اتبعوك أنظر إليه وهو يحترق ويتحول إلى رماد، وانظر كيف أننا سوف ننسف هذا الرماد في البحر.
إختيار موسى سبعين رجلاً للميقات
قال سبحانه وتعالى(وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) لم يكن هذا الغضب مذموماً لأنه كان غضباً لله عز وجل، فهو لا يخرج صاحبه عن حق ولا يدخله في باطل، وإذا حمل الغضب هذه الصفة كان أمراً حسناً، والمؤمن الصادق يتقرب إلى ربه بهذا النوع من الغضب الخالي من المكر والتصنع، فعندما أنهى موسى مهمته مع السامري وأحرق عجله المصنوع من الحلي والجواهر تابع مهمته التبليغية وألقى الصحف(التوراة) بين يدي بني إسرائيل ليقرؤوها ويهتدوا بهديها لأن فيها لهم رحمة وهداية لمن يريد أن يهتدي بأنوار النبوة، وقد ذكر القرآن ما يوجد في تلك الصحف المباركة حيث قال(وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) أما الذين لا يخافون الله ولا يرجون ثوابه فلن يزيدهم الهدى شيئاً ولن تصيبهم رحمة الله الخاصة بالمؤمنين.
لقد ساروا في حسب التوراة إلى أن بدأت الوسوسات الشيطانية تلعب دورها في نفوسهم فراحوا يشكون بموسى وأن تلك الصحف هو الذي صنعها ولم تنزل عليه من السماء كما قال، وهنا بدأت مشكلة جديدة تحتاج إلى قدرة الله لكي تحلها، فأتوا نبيهم وحدثوه بما يدور في صدورهم تجاهه، فهم لا يؤمنون به حتى يبعثوا معه مجموعة يثقون بهم إلى ذلك الجبل ليروا كيف يكلمه ربه ومن دون ذلك سوف يبقى الشك ملازماً لهم، فاختاروا من بينهم سبعين رجلاً للذهاب إلى الجبل مع كليم الله ليطمئنوا من صدق موسى، قال تعالى في ذلك(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا) ولقد كان هؤلاء السبعون هم العمدة في تثبيت الحق.
ولا ندري سبب هذا العدد(سبعين) فلقد أرسل قوم صالح مع نبيهم سبعين رجلاً أيضاً لمشاهدة المعجزة التي جاءهم بها، ولعلهم كانوا يعتمدون هذا العدد حيث يصعب تواطئ السبعين على الكذب، فانطلق موسى بهم نحو الجبل لميقات الله مرة أخرى، فوصلوا إلى الجبل وكلّم الله موسى، وكان هؤلاء السبعون أمامه ولا مانع من أن يكونوا قد سمعوا الصوت أيضاً من باب التأكيد الإلهي على صدق موسى.
عندما رأوا ما رأوأ طلبوا من نبيهم موسى أن يريهم الله جهرة، فأماتهم الله بسبب هذا الطلب الكبير، وفيه قال (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
فعندما رأى موسى ذلك وقع في حيرة من أمره ماذا يقول لبني إسرائيل، وهل يصدقونه بما سوف يقول أم أنهم سوف يتهمونه بقتلهم؟ وهنا توجه موسى إلى الله عز وجل وقال(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) فاستجاب الله لكليمه موسى وأحياهم بعد أن أماتهم ولقد رأى كل واحد منهم كيف أحياهم الله من بعد الموت، وقد كان ذلك معجزة جديدة أضيفت إلى سجل موسى(ع).
وقبل أن يطرح علينا بعضهم إشكالاً حول مسألة طلب الرؤيا نطرح نحن الإشكال ونجيب عليه، أما الإشكال فهو: عندما ذهب موسى لميقات ربه لوحده طلب من الله هذا الطلب كما ينص القرآن الكريم في سورة الأعراف(وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)
ولكن عندما طلب بنوا إسرائيل ذلك في الميقات الثاني أخذهم العذاب وأماتهم الله جميعاً، فلماذا نزل العقاب بهم دون موسى مع أن الطلب كان واحداً منه في المرة الأولى ومنهم في المرة الثانية؟
هذا إشكال وجيه يستحق التأمل والبحث من أجل الوصول إلى نتيجة واضحة نزيل بها آثاره وما يمكن أن يتولد عنه من سلبيات عقائدية، وقبل أن نجيب نشير إلى أمر حدث في الجبل مع موسى كيلا يحمله البعض كدليل ضده فإنه عندما رأى كيف تجلت قدرة الله للجبل فجعلته دكاً خر صعقاً أغمي عليه من هول الحدث، أما بنوا إسرائيل فلقد أخذتهم الصاعة قبل أن يروا قلع الجبل، فموسى(ع) رأى مقابل ما طلبه قلع الجبل من مكانه، وربما رآه أيضاً بنوا إسرائيل إما في ذلك الوقت بعد عودتهم للحياة وإما في وقت آخر، فموسى رأى قلع الجبل كدليل آخر على القدرة وبنوا إسرائيل رأوا كيف أماتهم الله ثم أحياهم الواحد تلو الآخر بحيث كان كل حي يرى كيف يحيي الله الميت أمامه، فقدم لهم الدليل الذي قدمه لموسى ولكن بشكل آخر وبطريقة مختلفة، ولكنه تعالى عاقب بني إسرائيل على طلبهم فأماتهم ولم يعاقب كليمه موسى على نفس الطلب، والله أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، فلقد تعاطى معهم من حيث أهدافهم، فلقد كان الهدف في طلب موسى للرؤية مختلفاً عن هدفهم من طابها، لقد كان هدفه الحب والشوق والغرام في الله عز وجل، أما أهدافهم فلقد كانت التعجيز لموسى بعد أن رأوا الآيات الكبرى ولمسوا الأدلة القاطعة، وعندما نزلوا إلى قومهم وأخبروهم بما رأوا وبما حدث لهم.
معجزة تفجير الماء من الصخر
لقد أضاف موسى الكليم معجزة أخرى إلى سجلات حياته الرسالية فإنه بعدما أتاهم بالتوراة ولم يثبتوا على الحق عذبهم الله في التيه والضياع أربعين سنة، وقد أجرى لهم تلك المعجزة في سنين التيه حيث قسمهم الله إلى اثنتي عشرة قبيلة، ولعل الخلافات بينهم كانت قائمة على الأرض والماء والزرع وما شاكله من ضروريات الحياة، ولعلهم اختلفوا على الماء بشكل قوي وتنازعوا إلى موسى ليحل لهم المشكلة، فأوحى الله إليه بأن يضرب الحجر بعصاه فضربه بها فانفجرت من الصخر اثنتا عشرة عيناً، كل قبيلة لها عين خاصة يشربون منها، وقال سبحانه في ذلك(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ)
ولكنهم لم يصمدوا طويلاً على الإخلاص فعادوا إلى الضلال والفساد فألحقهم موسى بمعجزات أخرى:
منها: تظليلهم بالغمام، عندما كانوا في التيه أنعم الله عليهم بالسحاب حيث ظللهم به ليقيهم من حرارة الشمس.
ومنها: المن والسلوى، أما المن فهو مادة لزجة تشبه العسل أنزلها الله عليهم رحمة منه، وأما السلوى فهو نوع من أنواع الطيور السمينة، وكل هذه النعم منّ الله بها عليهم ولم يجد منهم سوى القليل من الشاكرين لأنعمه، وفي بيان هاتين النعمتين: يقول سبحانه(وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
ثم يتابع القرآن الكريم حديثه عنهم فيقول(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)
لقد قيل لبني إسرائيل أدخلوا هذه القرية، وقيل بأنها أريحا، وكلوا من رزق الله الواسع من حيث شئتم، وقولوا حطة، أي اطلبوا من الله تعالى أن يحط عنكم ذنوبكم، فإذا فعلتم ذلك نغفر لكم وسوف نزيد المحسنين(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ) هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بدلوا ما قيل لهم فلقد قيل لهم أدخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فلقد قالوا حنطة بدل حطة استهزاءاً منهم بموسى وشريعة السماء، ولأجل هذا السلوك السيئ والتحريف في الكلام والإستهزاء أنزل الله عليهم عذاباً من السماء، ولعله عفا عنهم فلربما عادوا إلى الإيمان ولكنهم بقوا على ما كانوا عليه.
(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) في هذه الآية يوبخ القرآن بني إسرائيل حيث أوحى الله إلى كليمه موسى أن يسألهم عن القرية القريبة من البحر والذين كان يتجاوزون حدودهم يوم سبتهم عندما افتتنهم الله بالصيد فنهاهم عن صيد الأسماك في يوم السبت وكانت الأسماء في يوم عطلتهم تأتي إلى الشاطئ بكثافة، وفي الأيام التي يحل لهم فيه الصيد لا تكون الأسماك كثيرة فلقد كانوا يعتدون في السبت فيفضلون السمك الكثير على رضا الله سبحانه وتعالى.
وقد انقسم الإسرائليون في صيد الأسماك والحيتان إلى ثلاث فرق: فرقة عصت الله، وفرقة عارضت العصاة، وفرقة جلست على حياد، فلماذا تعظون قوماً لا يتعظون، ولماذا تفعلون ذلك مع قوم ألله مهلكهم ومعذبهم فلا تتعبوا أنفسكم معهم.
وكانت النتيجة أن عذّب الله العصاة ونجى المؤمنين، وفيه يقول تعالى(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
تَمَرُّد بَني إسرائيل على موسى
كانت العقلية اليهودية وما تزال صعبة ومتحجرة لأنهم لا يرون سوى ما ينفعهم وما ينسجم مع أهوائهم، فهم أصحاب العقائد الفاسدة وأصحاب التحريف والتزوير والنظرات الخاطئة والمفاهيم الضالة المضلة، فمهما حاولت أن تصلحهم فسوف تجد نفسك قاصراً عن إقناعهم لأنهم حصّنوا أنفسهم بجدار العناد الذي يصعب هدمه إلا بمساعدة الطرف الآخر.
قال سبحانه(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ)
حاول موسى بن عمران أن يذكّر بني إسرائيل بنعم الله عليهم عندما نجاهم من فرعون وملئه حيث كان بينهم وبين الموت والتعذيب شعرة فأنقذهم الله في اللحظات الأخيرة على يد موسى وعصاه المعجزة، وذكّرهم بأن الله جعل منهم الملوك كداود وسليمان، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، لأجل ذلك كله(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)
هاجر موسى وقومه من مصر متوجهين نحو سيناء، وعندما وصلوا إليها حاروا إلى أين يذهبون، فطلب منهم موسى أن يذهبوا إلى فلسطين، حيث كتب الله لهم فيها العيش مع الكنعانيين بسلام وأمان، وقد بيّن لهم أنهم لن يجدوا بلداً قريباً يعيشون فيه غير فلسطين، (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) لقد رفض بنوا إسرائيل العيش مع الكنعانيين فطلبوا من موسى أن يطردهم منها لأنهم قوم أقوياء وهم يخافون منهم، كما هو حال اليهود اليوم حيث إذا وجدوا شعباً قوياً يشكل خطراً عليهم طلبوا من الدول العظمى قتل هذا الشعب وتجريده من قوته، هذا ما طلبه اليهود من موسى وهو طلب غير عادل، إذ كيف يطرد أهل بلد من أجل قوم غرباء؟ فعندما طلبوا ذلك قام إليهم رجلان من المؤمنين فقالوا لقومهم أدخلوا وكونوا متماسكين وأقوياء واستمدوا القوة من خلال التوكل على الله عز وجل(قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)
فلم يأخذوا بكلام الرجلين أيضاً فبقوا في كلامهم وقالوا لنبيهم إذهب أنت وربك فقاتلا:
فشكى موسى هذا الوضع لله تعالى وقال(قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)
فعندما وصل الأمر بينهم إلى حائط مسدود عاقبهم الله بعذاب التيه وقد استمر هذا العذاب مدة أربعين سنة، وبعد أن رفع الله عنهم العذاب عادوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لقد حرم الله الأرض المقدسة على بني إسرائيل أربعين سنة منعهم من الدخول إليها بعدما رفضوا دخولها متكلين عليه، ولم يدخلها ذلك الجيل الذي عاند موسى من قبل وإنما دخلها بعدهم جيل جديد.
خطاب الله لبني إسرائيل
بسبب نكران الجميل والكفر بالنعمة وجّه الله تعالى خطاباً مطولاً لبني إسرائيل يذكر فيه نعمه عليهم وكيف واجهوا تلك النعم بالكفر والضلال بدل أن يواجهوها بالشكر والإحسان، وهذه البيانات وردت لتثبيت الحجة عليهم وعلى الذين أنعم الله عليهم، وقد أنعم الله على جميع خلقه، فالخطاب موجه للجميع من باب إياكِ أعني واسمعي يا جارة، ولكن المراد هنا إياك أعني واسمعي أنت ولتسمع الجارة.
وعندما نأتي إلى كتاب الله العزيز لنقرأ فيه أطول سوره نجدها مليئة بالحديث عن بني إسرائيل وبيان النعم الإلهية عليهم فندرك من خلال ذلك مدى بشاعة النفسيات التي كانوا عليها، كما وندرك حجم الصدر الرحب الذي تعاطى به موسى معهم، ولم تكن هذه السورة شاملة لكل أحوالهم بل وُزّع الحديث عنهم في العديد من سور القرآن، قال تعالى في معرض حديثه عن بني إسرائيل(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)
لقد خاطبهم ربهم باللقب الذي ينتمون إليه وهو إسرائيل، وإسرائيل لقب نبي الله يعقوب، ومعناه في العبرية عبد الله، فيا من تنتسبون إلى هذا النسب الطاهر والعريق أذكروا نعمة الله عليكم.
ثم أمرهم بأن يفوا بعهده وهو عهدهم لله بالإيمان والإخلاص وقد عاهدوا على الطاعة في موارد كثيرة ومواضع مختلفة، ثم حثهم على الرهبة منه لأنها مصدر العمل فإذا خاف المخلوق خالقه فقد انكب على عبادته.
ثم أمرهم بالإيمان وتثبيته في قلوبهم حيث يقول(وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)
أي آمنوا بالقرآن الذي نزل على رسول الله محمد(ص) وهو مصدق لما معكم من التوراة، فلا تكونوا أول الكافرين به فهو الصادق الأمين.
(وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) لا تزوروا الحقائق ولا تكذبوا على ربكم ورسله ولا تخلطوا بين ما أنزل من السماء وبين ما افترته أيديكم بهدف التمويه على جرائمكم.
(وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ) ثم يشير القرآن الكريم إلى سلوك سيء كان عليه اليهود وهو أنهم يتظاهرون بأنهم مع الإيمان ويأمرون الناس به وبكل خير، وهم لا يفعلون ما يأمرون به، قال تعالى(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) لقد كان اليهود يأمرون أقاربهم باتباع النبي الأكرم، وهم لا يتبعونه وبيدهم كتاب التوراة يعرفونه ويعرفون ما ورد فيه بشأن محمد.
ثم أرشدهم الله إلى طريقة تشعرهم بالقوة ومواجهة الصعاب وهي الإستعانة بالصبر والصلاة حيث يقول(وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)
والخاشعون المتقون يعتقدون بأنهم سوف يرجعون إلى الله عز وجل ليحاسبهم على ما عملوا في دار الدنيا بالخير خيراً وبالشر شراً.
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ذِكْر النعمة لا يقتصر على الحديث عنها أو مجرد بيانها وإنما المراد بالذكر هنا هو ما يجب أن يعقب النعمة من شكر عملي واستقامة في العقيدة والمبدأ وإخلاص للمنعم جل وعلا.
يا أيها المجموعة التي فضلتها على العالمين ببعث الأنبياء إليهم والتعاليم السماوية والنعم المادية والمعنوية والتي لا تحصى بسبب كثرتها لماذا لا تحركون عقولكم ومشاعركم قليلاً وترجعون إلى الصواب وتستمرون عليه.
الجواب واضح، وهو أن اليهود هم اليهود الذين يأكلون الأخضر واليابس ويحتلون المناطق غصباً ويقتلون ويدمرون وهم يرون بأن كافة الناس من المشرق والمغرب هم خدم لهم بدعوى أنهم الشعب المختار وهم في الحقيقة أنجس شعب شهدته الأرض عبر التاريخ.
ثم يزيدهم القرآن وعظاً وإرشاداً وبياناً لطريق السعادة فيقول لهم(وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) إحسبوا حساباً ليوم عظيم سوف تسألون فيه عن كل حركة وسكنة وقول وفعل، فهناك لا يوجد شعب مختار وشعب منبوذ، هناك يوجد عمل، وكلٌ يحاسب على قدر عمله.
ثم بدأ القرآن يذكرهم بنعم الله من باب إلقاء الحجة عليهم فيقول(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) لقد أنجاكم الله من ظلم فرعون وغطرسته وممارساته الظالمة التي لم تكونوا مطيقين لها فبعث لكم نبياً بالمعجزات قضى على جبروته وظلمه، ولقد كان فرعون يستعبدكم ويستحيي نساءكم ويجعلهن وأنتم خدماً له، وقد كان ذلك امتحاناً لكم من ربكم ليرى هل تشكرون أم تكفرون فكنتم ممن يكفرون بالنعمة ويواجهونها بالقبيح،(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) لقد شاهدتم بأم أعينكم كيف فلق الله البحر لموسى ومررتم في وسط البحر بين جدارين عاليين من الماء ثم لحق بكم فرعون وجنوده فأمر الله البحر بابتلاعهم.
ثم يعاتبهم القرآن مواعداً فيذكرهم بأيام ميقات موسى وماذا صنعوا في غيبته(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) ذهب موسى إلى الجبل من أجلكم، من أجل أن يأتيكم بصحف من الله فيها هداية لكم وشرف عظيم يميزكم به عن باقي الأمم، فاستغليتم مدة غيابه وعبدتم العجل الذي صنعه السامري من الحلي، ورغم هذا الإرتداد عن الإيمان والذي تستحقون عليه العذاب الأليم فلقد عفا الله عنكم علكم تشكرون وتثبتون على الحق(ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
ويتابع القرآن كلامه عن خطاب الله لبني إسرائيل(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)
وهذا الطلب في الواقع شكّل عقبة كبرى وكارثة حقيقية حيث وصلوا من خلاله إلى حائط مسدود فعلموا بأنهم لن يروا الله جهرة فراحوا يعجّزون موسى بهذا الطلب وهو يعظهم في الله وأنه ليس كالمخلوقات حتى تراه العيون، ولقد رأيتم آثار قدرته فلا داعي لمثل هذا الطلب وأنتم تعلمون أنه لا يمكن ذلك.
لقد تجرؤوا على ربهم بهذا الطلب، وأصروا عليه، وعلقوا مسألة الإيمان على تحققه، إما أن نرى الله بأعيننا وإما أن تتركنا وشأننا.
فلم يكن أمام موسى سوى التوجه إلى الله عز وجل لإنهاء هذه الحالة التي وقفت عائقاً وحجر عثرة في طريق الدعوة، فأنزل الله عليهم صاعقة من السماء فأهلكتهم وقد رأوها كيف نزلت عليهم من السماء(ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وبناءاً على طلب موسى الكليم عفا الله عنهم ثم بعثهم من موتهم لعلهم يعتبرون بهذه النعمة التي أتت عبر آية لا يمكن إنكارها.
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وفي هذه الآية يشير القرآن المجيد إلى آيتين عظيمتين ونعمتين كبيرتين منّ الله بهما على بني إسرائيل عندما كانوا في صحراء التيه والضياع وقد اشتدت عليهم حرارة الشمس بحيث لم يعدوا يطيقون تحملها فأرسل الله عليهم سحاباً اظلهم به من أشعة الشمس المحرقة، ثم منّ عليهم إذ أنزل عليهم المن والسلوى.
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) لقد أمرهم موسى بأن يدخلوا بلاد فلسطين فرفضوا الدخول إليها إلا بعد أن يخرج منها أهلها لقد أرادوا أن تكون خيرات تلك البلاد لهم وحدهم بعد أن يطردوا منها أهلها الذين عمروها، وهناك تجرؤوا على موسى ورفضوا الدخول إليها وقالوا له إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. وقد طلب منهم إذا دخلوا الأرض المقدسة أن يقولوا حطة، أي أن يطلبوا من الله تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم فراحوا يستهزؤون ويقولون حنطة بدل أن يقواوا حطة، فأنزل الله بهم العذاب ولم يظلمهم بل ظلموا أنفسهم بتلك الأساليب لبشعة التي كانوا يمارسونها مع نبيهم.
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
ما أكثر نعم الله على خلقه، وما أجلها وما أجملها، ولكنها لم تلقَ منا الشكر المطلوب، ولم نواجهها بالطاعة بل ظننا أنفسنا متفضلين على خالقنا وهو المنان علينا بالعطيات، هكذا تعامل الله مع بني إسرائيل وبهذه الطريقة البشعة واجه الإسرائليون ربهم الذي فضلهم على الناس وجعل فيهم ملوكاً وأنبياء وأنزل عليهم البركات من السماء وأخرجها لهم من الأرض.
لقد انحلت مشكلة الماء، ولكن واجهتهم مشكة أخرى وهي نوعية الطعام فقد كانوا يأكلون المن والسلوى وهما طعامان مميزان لا تشمئز النفس منهما مهما طال أكلهما فأتوا نبيهم وشكوا له الأمر فقالوا إننا لا نستطيع أن نصبر على نوعية طعام واحدة فاسأل لنا ربك أن يخرج لنا الخضار من الأرض(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) البقل هو بقل الأرض، والقثاء هو نوع من الخيار، وفومها هو الحنطة، فعندما طلبوا ذلك من موسى تعجب لأمرهم كيف يستبدلون الأشهى والألذ بالأدنى، ثم طلب منهم أن يدخلوا مصراً فإن هذا الطلب سوف يجدونه متوفراً هناك.
بعد كل ما حصل لهم لازمهم الذل في حياتهم، أصبحوا مكروهين ومنبوذين من جميع الناس، وتاهوا وتاهت معهم حياتهم التي لم يكتب لها الإستقرار، وقد علموا بأن ما نزل بهم كان غضباً من الله عليهم(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) فإذا كان ينسون أخطاءهم وجرائمهم فإن الله لا ينسى شيئاً، فلقد أنزل بهم العذاب بما كسبت أيديهم، وقد بيّن الله لنا سبب هذا العذاب وهو كفرهم بالمعجزات وقتلهم للأنبياء بغير وجه حق كما قتلوا زكريا ويحيى، ثم كرر السبب فقال(ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ)
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لقد أخذ الله المواثيق من بني إسرائيل أن لا يعبدوا إلا هو وحده لا شريك له فلم يلتزموا بهذا الميثاق ولم يعملوا بتعاليم التوراة بعد أن جاءهم بها كليم الله من أجل هدايتهم.
لقد وعظهم بالعذاب الذي نزل بأصحاب السبت الذين نهاهم عن صيد الحيتان في أيام معينة فعصوا وراحوا يصطادونها في أيام النهي طمعاً بكثرتها في تلك الأيام فعاقبهم ومسخهم قردة قبل أن يهلكهم، وفيه يقول سبحانه(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ)
وقد جعل إنزال العذاب بهؤلاء عبرة لمن شاهد عقابهم ودرساً للذين أتوا من بعدهم وهو معنى قوله تعالى(فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ)
وهذا جزء صغير من الخطاب الذي وجّهه الله تعالى إلى بني إسرائيل.
إعتراف بني إسرائيل بالعناد
تارة يعترف الإنسان بخطئه ويتراجع عن هذا الخطأ فلا يرتكبه مرة أخرى، وتارة يعترف الإنسان بخطئه من باب التجرؤ والعناد والمباهاة، فإن كثيراً من الناس يتباهون بأخطائهم ويتبجحون بها ويحدثون الناس عنها لظنهم بأن هذا يعطيهم مكانة في قلوب الناس.
قال سبحانه وتعالى(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) يخاطب بني إسرائيل الذين كان كلما أتاهم نبي أو رسول واجهوه بالتكذيب والقتل ولصق التهم الباطلة من باب التأثير على قلوب الناس ليربحوا نصرتهم وموقفهم، فلقد عاتبهم القرآن بلسان الوعيد فقال لهم(اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)
وقد كان جوابهم حاقداً وجريئاً على الله حيث قالوا(وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) وهذا هو الإعتراف الحاقد الذي تجرأ به بنوا إسرائيل على ربهم فلعنهم الله في الدنيا والآخرة.
بقرة بني إسرائيل
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ)
لقد حاول اليهود مراراً أن يوقعوا أنبياءهم في مواضع حرجة كطلبهم من موسى أن يريهم الله جهرة وقد علّقوا إيمانهم بالله على رؤيته فأراهم الله معجزة تغنيهم عن رؤيته حينما قلع الطود العظيم وسيّره فوق رؤوسهم فأغشي على الجميع لهول الحدث وعظيم القدرة.
ولكنهم في هذه المرة كان طلبهم مقبولاً وهو أنهم طلبوا من موسى أن يحيي لهم رجلاً ميتاً ليكلموه ويسألوه شيئاً .
إن بإمكان الله تعالى وقدرته أن يحيي هذا الميت وكل الأموات من الماضين بمجرد إرادته لذلك، ولكنهم بما أنهم تشددوا فقد شددّ الله عليهم فطلب منهم الإتيان ببقرة يذبحونها على ذكر الله ثم يضربون الميت ببعض لحمها فيحيا بإذن الله عز وجل.
ولكنهم جلبوا المتاعب لأنفسهم عندما طرحوا على نبيهم أكثر من سؤال حول البقرة التي يريدون ذبحها ولعله لم يكن السؤال من أجل الإستفسار بل من أجل الإستهزاء ووضع العراقيل في طريق الرسالة ولأجل ذلك كلفهم الله تعالى طاقة كبرى عندما طلب منهم مواصفات نادرة لم تكن موجودة إلا في بقرة واحدة على الأرض.
لقد طلب موسى منهم أن يذبحوا بقرة لتكون بقدرة الله تعالى وسيلة في إحياء ميتهم الغني الذي قتل في ظروف غامضة فظنوا بأن موسى(ع) يستهزأ بهم حيث لا علاقة بين ذبح البقرة وإحياء الميت فأجابهم بأنه لا يستهزأ بهم لأن ذلك ليس من شيم الأنبياء وأهل الإيمان، ولكننا لو بحثنا حول طريقة خطابهم لموسى وطرح تلك الأسئلة نجد بأنهم هم الذين يستهزؤون بالنبي ويحاولون إيقاعه ف التعجيز ليهزموه هو والرسالة السماوية فأوقعهم الله تعالى في تعب وصعوبة حينما طلب منهم مواصفات معينة في البقرة التي لم يكن يوجد على وجه الأرض منها سوى واحدة.
وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى العلاقة بين البقرة والإحياء لندرك الحكمة الإلهية من وراء ذلك،ولكي تتضح لدينا هذه الفكرة نذكر لكم عدة نقاط هامة حول هذا الموضوع:
النقطة الأولى: ما هي العلاقة بين البقرة والحياة.
وهي أنه من خلال ذلك يظهر لدينا بأن وراء اشتراط البقرة أمراً خارجاً عن مسألة الإعجاز وهو لفت أنظار الناس إلى القدرة الإلهية التي بإمكانها فعل أي شيء بواسطة أي شيء وإن كان حقيراً كالعصا والبقرة.
النقطة الثانية: وهي معرفة ما إذا كان لتلك الحادثة علاقة بعبادة البقر كما هو الحال في بعض البلدان الحالية.
نحن نقول.. لا مانع عقلي من أن تكون عبادة البقر قد نشأت نتيجة لهذه الحادثة التي كانت بحد ذاتها امتحاناً لليهود وغيرهم على مر العصور، فإن الذين عبدوا البقرة قد نظروا إلى البقرة ولم يعيروا اهتمامهم إلى من أجرى المعجزة عن طريق تلك البقرة ليعلم الناس بأن الأمور ينبغي أن تحصل بأسبابها وطرقها الموضوعة.
لقد أخذ أولئك من الحادثة جانباً واحداً وهو في الحقيقة لا علاقة له بجوهر الإعجاز ويتمثل هذا الجانب بإحياء الميت بعد ضربه بجزء من لحم تلك البقرة التي أمرهم موسى بذبحها.
النقطة الثالثة: هل كان المراد أن يضرب الميت بلحم حي لكي يوهب الحياة من جديد؟
فقد أثبتنا قبل قليل بأن موضوع البقرة في تلك المعجزة ما هو إلا مسألة امتحان لهم لأن الله تعالى يريد أن يفضحهم لأنهم سوف ينسبون الإعجاز للبقرة وهذا ما حصل لدى البعض منهم ممن روجوا لهذه العقيدة الفاسدة.
فإذا كانت البقرة خارجة عن نطاق الإعجاز فلا يمكن أن يكون لأي جزء من أجزائها دور في إحياء الرجل المقتول.
ولا عبرة بقولهم لقد وهب الله الحياة لهذا الرجل عن طريق لحم مخلوق حي، وهذا مردود عليهم من جهتين:
الجهة الأولى: أن البقرة بعد خروج الروح منها لم تعد مخلوقا حياً وإنما أصبحت موجوداً فاقداً للحياة كالحجر والخشب.
الجهة الثانية: وهي أن الله سبحانه وتعالى قد أجرى المعجزات الكبرى عن طريق مخلوق أقل شأناً من البقرة المذبوحة وهي عصا موسى.
النقطة الرابعة: وهي أن الله عز وجل محيط بكل ما كان وما سوف يكون ولقد كان بالإمكان أن يعطي موسى ذلك المقتول جرعة أو يمسح بيده عليه فيحييه بإذن الله ولكن بني إسرائيل جماعة منافقون حيث يضعون لكل قائم مائلاً فهم لا شك سوف يقولون لقد أعطى موسى دواءاً لهذا المقتول فأحياه أو مسح جسمه بمادة ترجع الروح وذلك كيلا يقروا بالإعجاز والقدرة الإلهية، ولعل حكمة الله عز وجل اقتضت أن يتم إحياء ذلك الرجل عن طريق بني إسرائيل من خلال ضربهم الرجل بلحم تلك البقرة ليلمسوا الإعجاز بأيديهم علهم يرجعون إلى الصواب.
النقطة الخامسة: وهي أن الله سبحانه قد أمرهم بذبح بقرة من دون تحديد حجمها أو لونها أو شكلها ثم أمرهم بأن يضربوا الرجل المقتول ببعض لحمها من دون أن يحصر ذلك بموضع من جسدها، المهم هو أن تضربوا الميت بجزء من البقرة.
النقطة السادسة: أن معجزة إحياء الرجل عن طريق الضرب ببعض البقرة قد اشتمل على نوع من أنواع الإمتحان لبني إسرائيل فهل أنهم يثقون بالله أو لا يثقون به، وإن هم وثقوا بالله وضربوا الميت بجزء من البقرة فهل يبقون على تلك الثقة طيلة حياتهم.
فبعد أن أمرهم موسى(ع) بذبح بقرة راحوا يطرحون عليه الأسئلة ليس من باب الإطمئنان وإنما من باب التعجيز فانقلب السحر على الساحر وأصابهم العجز الذي أرادوه لموسى(ع) لقد قالوا لنبيهم(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ)
فلو سأََلَنا شخص عن بقرة ما هي لقلنا له إنها بقرة أو أنه سألنا عن أي أمر لقلنا له إنه كذا وكذا.
بنوا إسرائيل أرادوا أمراً وأراد موسى أمراً آخر فوقعوا في فخ هم نصبوه بأيديهم وألقوا أنفسهم في شدة وقد كان تلك الشدة بمثابة عقاب لهم على استهزائهم بالله ورسله وهذا أقل نوع من أنواع العقاب.
عندما طرحوا على موسى هذا السؤال أجابهم كما قال الله تعالى في سورة البقرة(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ)
بهذه الإجابة بدأ التشديد على بني إسرائيل الذين لم يتوقفوا عند ذلك الحد وإنما راحوا يزيدون في السؤال ويزاد عليهم بالشدة، فلو امتثلوا أمر الله تعالى من الأساس من دون أن يتمادوا بالسؤال لكفاهم في استجابة طلبهم أية بقرة يصادفونها
ففي المرحلة الأولى وضع لهم موسى(ع) ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن لا تكون بقرة مسنة، وهي التي عبّر عنها بالفارض.
الشرط الثاني: أن لا تكون بكراً.
الشرط الثالث: وهو بيان البقرة المطلوبة، وهي العوان، والعوان من البهائم هي النوع الواقع بين الفارض والبكر، وكأن موسى(ع) قد رق قلبه على ما سوف يوقعون به أنفسهم من الشدة فنصحهم بأن يفعلوا ما يؤمرون فلم يقبلوا النصيحة بل أصروا على وضع العثرات والعراقيل ونصب الأفخاخ في طريق الحق فتابعوا السؤال قائلين(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا)
فأضاف موسى إلى تلك الشروط والأوصاف شروطاً وأوصافاً أخرى فقال لهم(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)
من السهل أن يجدوا بقرة لا فارض ولا بكر، ولكن يصعب عليهم أن يجدوا بقرة صفراء شديدة الصفرة كما طلب منهم، وقد علّق مسألة إحياء المقتول على إيجاد هذه البقرة وذبحها فلو تراجعوا عن رأيهم وركنوا أمام الأمر القائم لما قُبل منهم بل لا بد من إيجاد تلك البقرة النادرة ، وهم مضطرون لإحياء المقتول ولكنهم رغم اضطرارهم لم يتخلصوا من عاداتهم السيئة وعرقلة المسائل.
إن كل ما قلناه حول الحوار الذي دار بين موسى وبني إسرائيل حول البقرة إنما هو مقدمات لبيان المعجزة التي أجراها الله تعالى على يديه.
وقبل ذكر الإعجاز هنا نذكر لكم تلك الشروط والأوصاف التي وجب توفرها في أحد أطراف الإعجاز وهي البقرة وقد كان لتلك المعجزة أكثر من متعلَّق:
منها البقرة، ومنها المقتول، ومنها بنوا إسرائيل، ومنها موسى(ع).
أما الأوصاف التي كانت مطلوبة لتحقيق طلبهم هي:
- أن لا تكون فارضاً
- أن لا تكون بكراً
- أن تكون عواناً بين البكر والفارض
- أن تكون صفراء
- أن تكون شديدة الصفرة
- أن لا تكون ذلولاً
- أن تثير الحرث
- أن لا تسقي الحرث
- أن تكون مسلّمة لا عيب فيها
وفي هذا الصدد قال رسول الله محمد(ص) ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
وبعد كل ذلك العناء أتوا بالبقرة المطلوبة وذبحوها وما كادوا ليذبحوها بسبب خبثهم وحقدهم وعنادهم ولكنهم خضعوا للأمر فذبحوا البقرة وضربوا المقتول بجزء من لحمها فعادت له الحياة بقدرة الله تعالى، وقد كانت تلك المعجزة موضع دهشتهم واستغرابهم.
لقد رأوا تلك المعجزة الكبرى بأم أعينهم وتكلموا إلى ذلك المقتول الذي أحياه الله بقدرته، وأخبرهم المقتول عن قاتله، ورغم ذلك كله..رغم النظر إلى تلك الآية التي لا تنكر عادوا إلى الكفر والضلال، بل إلى كفر أشد مما كانوا عليه قبل المعجزة.
موسى والخضر
تعتبر قضية موسى بن عمران مع العبد الصالح المعروف بالخضر من القضايا التي اشتملت على نوع من الغموض رغم تركيز القرآن الكريم عليها وكثرة ترددها على ألسنة الناس لأن فيها ما يمكن أن يكون نافذة لأيدي الشر يتسللون من خلالها إلى قلوب المؤمنين بهدف زرع الشك فيها تجاه هذا النبي العظيم ثالث أنبياء العزم(ع).
ومحور الإشكال في هذه القضية هو أنه كيف كان الخضر أعلم من موسى ولم يكن نبياً، فهل يليق بشأن موسى أن تغيب عنه أمور كان الخضر عالماً بها؟ هنا النقطة التي ينبغي البحث فيها لأنها في الحقيقة إشكال حساس يجب حله.
نحن نقول: لا يجب على المعصوم أن يكون عالماً بكل شيء فإنه قد يكون من الحكمة الإلهية أن يغيب شيء عن النبي حتى يكون ذلك عبرة لكل الناس لأنه كما قال تعالى(وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وقبل أن يقيم البعض الدنيا علينا في هذا الطرح نطلب منهم أن يفهموا حقيقة العصمة بكل تفاصيلها وجميع حذافيرها لأن التعصب الأعمى يمنع من فهم المطلب والوصول إلى الحقيقة حيث يتوهم البعض بأن المعصوم لا يغيب عنه شيء وهذا مخالف لواقع الأمر لأن المعصوم في أحيان كثيرة يكون غافلاً عن أمور لا يعرفها إلا بعد أن يطلعه الله على الأمر كمسألة نزول الوحي على النبي عندما حاول أحد اليهود أن يلقي عليه حجراً من فوق السطح الذي كان يجلس النبي تحته فأخبره جبرائيل بالأمر فترك المكان.
هذا الكلام ينطبق على جميع المعصومين من أنبياء وأولياء وأوصياء سلام الله عليهم أجمعين، وأمامنا هنا حادثة فيها شيء من الغموض أو أن الناس فرضوا فيها هذا الغموض إما لجهلهم بحقيقة الأمر وإما من باب التعمد لغرض خاص.
وفي هذه القضية الكبيرة والعظيمة قال سبحانه وتعالى في سورة الكهف(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)
فتى موسى المشار إليه في الآية هو يوشع بن نون(ع) وقيل بأن موسى سأل ربه أن يدله على شخص أعلم منه فأوحى الله إليه بأن يسير في الأرض وهناك علامة إذا حدثت فقد وصل إلى موطن هذا الشخص وهو الخضر، فلقد عزم موسى على المسير فهيأ له ولفتاه زاداً ومن جملة الزاد حوت صغير مملَّح كانت العلامة متعلقة بهذا الحوت الميت، فأخبر موسى فتاه بأنه عازم على الذهاب إلى مجمع البحرين وهو ملتقى البحر الأبيض والبحر الأحمر، وإذا لم يبلغ مجمع البحرين فإنه سوف يبقى سائراً ما شاء الله، وهذا معنى قوله تعالى(أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)
فسار موسى ويوشع مدة من الزمن حتى وصلا إلى المكان المحدد(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)
لقد صادف أن وصل موسى وفتاه إلى تلك البقعة فأخذت موسى غفلة فنام قليلاً وأثناء نومه ألقى الله بقدرته الروح في الحوت الميت فقفز إلى البحر، وكانت تلك من إحدى المعجزات التي أجراها الله على يد كليمه موسى، وقد تم ذلك كله على مرأى ومسمع من يوشع بن نون الذي كان مندهشاً للأمر.
وصل موسى وفتاه إلى مكان الرجل العالم والعبد الصالح المعروف بالخضر فشعر موسى بالنعاس فأخذته سِنة فنام، ويوشع بن نون يشاهد ما يحصل أمامه، لقد أحيا الله الحوت الميت منذ فترة فقفز الحوت إلى البحر وبقي يوشع مندهشاً حتى استيقظ موسى وتابعا السفر بحثاً عن موطن الخضر، وقد نسي يوشع بن نون أن يخبر موسى بما حصل للحوت، ولعل وراء هذا النسيان حكمة من الله تعالى(فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) فعندما تجاوزا المكان الذي نام فيه موسى شعر بالتعب والجوع فطلب من فتاه أن يأتيه بالطعام فتذكر يوشع ما حدث للحوت فقال لموسى(قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) قال له يوشع أتذكر عندما أوينا إلى الصخرة وجلسنا عندها للراحة فقد رأيت أمراً غريباً رأيت الحوت قد ولجته الروح وقفز إلى البحر، ولم يكن يوشع على علم بأن قفز الحوت في البحر هو العلامة على مكان الرجل المقصود فقال له موسى(ع) هذا هو المكان الذي نقصده فتبعا آثار أقدامهما ورجعا إلى ذلك المكان(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) وعندما وصلا إلى الصخرة وجدا بالقرب منها رجلاً وصفه القرىن الكريم بالعبد الصالح وأخبر بأن الله تعالى منّ عليه بالعلم الغزير، فعندما شاهداه قال له موسى(ع) (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) إستأذن الرجل بأن يبقيه معه ليعلمه مما علّمه الله عز وجل لأن موسى من أكثر الناس حباً بالعلم وطلباً له، وهذا ما دفعه إلى السير نحو الرجل الصالح الذي علم بأنه أعلم الناس، فعندما طلب منه موسى ذلك أجابه الرجل قائلاً(قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) يريد أن يقول لموسى بأن الإنسان لن يصبر على شيء يجهله فهو يظنه منكراً ولكن واقعه وجوهره ليس كذلك فإن موسى لن يطيق الصبر على ما لم يطلعه الله عليه من الغيب، وكذلك لعل العبد الصالح كان يجهل أموراً موسى يعلمها، فلم يقنع موسى بالأمر شغفاً لحب المعرفة فأجاب العبد الصالح بقوله(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) يعني لن أتفوه بأية كلمة وسوف أصبر حتى أصل إلى النتيجة.
ولكن الأمر لم يكن كما قال موسى فإنه لم يصبر على بعض الممارسات التي صنعها الخضر لأن ظاهرها منكر وموسى من واجبه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلم يخالف فعله قوله بل كان مبادراً بالأمر بالمعروف لأنه يجهل غيب ما يصنعه الخضر فلا يوجد تناقض أو تضارب في كلام موسى.
وافق الخضر على أن يرافقه موسى بشرط أن لا يسأله عن شيء إطلاقاً، (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) يعني عليك أن تصبر حتى أبين لك الحكمة من وراء الفعل، وسارا على هذا الأساس(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)
سارا على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فركبا فيها فأحدث الخضر فجوة في أرض السفينة بلا أي مبرر ظاهر فغضب موسى للأمر حيث هاجت بداخله العواطف الإنسانية فاتهم الخضر بأنه يريد ان يغرق أهل السفينة فأجابه الخضر بقوله(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) يعني ما زلنا في البداية وفقدت صبرك فرجع موسى إلى الوعد الذي قطعه مع الخضر قبل البدء بالسفر فاعتذر إليه(قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) يعني لا تضيّق عليّ في صحبتي لك، ثم إنه يستفاد من الآية أن النسيان في غير التبليغ للأنبياء جائز أما في التبليغ فيستحيل عليه النسيان(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) بينما كانا يسيران وإذا بالخضر يجد غلاماً أمامه فيقتله فيغضب موسى لذلك إذ كيف تقتل نفساً زكية بغير وجه حق؟ هذه جريمة كبرى يرفضها الشرع والعقل والناس، فأجابه الخضر بقوله(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) وهنا عاود الخضر تذكير موسى بالوعد فتراجع موسى عن السؤال ولكنه في غاية الشوق لمعرفة السبب فصبر حتى يحصل على الجواب فقال للخضر(قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا) يعني إذا سألتك مرة أخرى فلن يبقى لي عذر أعتذر به ثم تابعا السير(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) وصلا إلى قرية أهلها بخلاء لا يستقبلون الضيف فطلبا منهما طعاماً فلم يطعموهما، وكان في القرية جدار يكاد يقع فأصلحه الخضر وأقامه من دون مقابل فقال له موسى لماذا لم تطلب منهم أجراً فإنهم لم يطعمونا، فقال له الخضر(قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) لقد حان وقت الفراق فإنك لن تستطيع بعد ذلك أن تصبر على ما سوف تراه وسوف أنبئك بتفسير كل ما فعلته أثناء السفر.
نبدأ بمسألة خرق السفينة، فإنه كان من الطبيعي على مثل موسى بن عمران أن يعترض الخضر على خرقها لأنه كان واجباً عليه أن يشكر أصحابها على اصطحابه فيها برفقة موسى، ولا شك بأن موسى(ع) قد ظن سوءاً بالخضر في بادئ الأمر حيث استنكر هذه الفعلة بشدة إذ لا يصح أن نبادل الإحسان بالإساءة، ولم يكن موسى يعلم السبب فإنه بعدما أطلعه الخضر على السبب بطل لديه العجب.
لقد كانت تلك الفجوة التي أحدثها الخضر في السفينة رحمة لأصحابها لأنهم أهل مدينة يحكمها رجل ظالم يصادر كل سفينة جيدة ويستثمرها في أغراضه الشخصية، أي أنه يأخذها غصباً، وكانت تلك السفينة لأشخاص مساكين لو خسروا السفينة لماتوا جوعاً فقد أحدث فيها هذا العيب حتى لا تحلو في نظر الحاكم ويأخذها، وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)
وأما موضوع قتل النفس فهو الأمر الذي لم يكن موسى ليجد له تفسيراً، فإنه سكت عن موضوع خرق السفينة لعل هناك سبباً وراء ذلك، أما قتل النفس الزكية من دون سبب فهذا ما لا يقبل به عقل ولا يقر به شرع.
لم يكن موسى(ع) يعلم شيئاً عن حالة الشاب الذي قتله الخضر فلقد كان ذلك بأمر من الله تعالى لأن هذا الشاب بعد سن التكليف استحب الكفر على الإيمان وراح يجبر أبويه على الكفر ويهددهما ويعتدي عليهما، وفي رواية عن الصادق(ع) أنه كان يعمل جاهداً لحمل أبويه على الكفر والإلحاد.
فأراد الله عز وجل أن يرحم هذين الأبوين المؤمنين فأراحهما من شر ابنهما وأبدلهما بخير منه، وقد كشف الخضر لموسى عن سبب قتل الشاب فذهب بذلك شكه في الخضر، وهذا الحكم الإلهي القاضي بقتل الشاب ليس حكماً عاماً فإنه لا يجوز لأي واحد منا أن يقدم على هذا العمل من دون وجه حق، أما الله تعالى فبيده جميع الأمور فإنه يفعل في خلقه ما يشاء، قال تعالى في جواب الخضر عن هذه الحادثة(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)
إذ ليس القريب قريب النسب فقط بل القريب هو القريب بالدين والأخلاق والتوجه، فإن الشاب الكافر وإن كان ابنهما النسبي فإنه بعيد عنهما من جهة الإيمان.
وأما موضوع بناء الجدار فلقد بناه الخضر من دون مقابل رغم أن أهل القرية منعوهما من الطعام فاستغرب موسى من هذا العمل الإنساني الذي قام به الخضر رغم أن أهل القرية لا يستحقون الإحسان في مقابل سلوكهم السيء مع الضيوف، ولكن الحقيقة هي أن بناء الجدار لم يكن من أجل أهل القرية بل كان من أجل غلامين يتيمين كان أبوهما رجلاً صالحاً وكان يضع تحت هذا الجدار كنزاً من أجل تأمين مستقبل ولديه، وصادف أن مات هذا الرجل ولم يؤمن على الكنز من أن يكشف سره فبنى لهما جداراً متيناً كيلا يكشف أمر ما تحته أحد فإذا بلغا رشدها ألهمهما الله إلى هدم الجدار واستخراج الكنز وفيه يقول تعالى(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)
موسى وقارون
قارون هو أحد أصحاب الثروات الطائلة بحيث بلغ غناه المالي إلى حد أصبح معه مضرباً للمثل على مر العصور، وهذا مما لا غبار عليه ولا إشكال فيه.
وقد استمر موسى في الدعوة رغم الأحداث القاسية والظروف القاتلة التي مر بها أثناء تبليغ بني إسرائيل الذين استقر بعضهم على الإيمان ولكن كثيراً منهم استحبوا الكفر على الإيمان فأهلكهم الله في الدنيا والآخرة.
ومن جملة الأحداث التي تعرض لها موسى في دعوته هي الحادثة التي جرت بينه وبين قارون الذي كان هلاكه دليلاً جديداً على صدق موسى لأنه أهلكه عن طريق الإعجاز ليكون عبرة للأولين والآخرين.
ولقد كان قارون مصداقاً من مصاديق قوله تعالى(كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)
فمن جملة هؤلاء الذين ارتدوا عن الدين بسبب كثرة المال هو قارون الذي عبّر عنه القرآن بأنه كان من قوم موسى حيث يقول تعالى(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) وهنا لا يمكن الإستدلال على كون قارون كان مؤمناً من خلال هذا التعبير القرآني(كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) حيث يصح إطلاق ذلك على الكافرين أيضاً كما نقول قوم نوح، ومعلوم أن قوم نوح كانوا كفاراً أو كما نقول قوم لوط، وهكذا، فغاية ما في الأمر أن القرآن والله أعلم يريد أن يخبرنا بأن قارون كان على عهد موسى، ولكن الذي دلنا على كونه كان مؤمناً ثم ارتد بسبب كثرة المال هو ما ورد عن النبي وآله(ص) في هذا الشأن.
لقد كان قارون مؤمناً وفطناً فرزقه الله من المال ما لا يحصى فتكبر على قومه وبغى عليهم لأنه أصبح ذا سلطان ونفوذ فيهم.
وهنا يكشف القرآن المجيد عن مدى كثرة ماله فيقول(وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) لقد وضع قارون كنوزه وجواهره وأمواله في غرف كبيرة وكثيرة عجزت مجموعة من الأقوياء عن حمل مفاتيح تلك الغرف، حتى ورد أنه بسبب ثقلها فلقد صنع مفاتيح من مادة معدنية خفيفة بدل مادة الحديد الثقيلة، وقيل بأنه صنع مفاتيح من خشب حتى يسهل حملها على رجاله، هذا يعني أن ثروته كانت كبيرة جداً.
(إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) لا يُفهم من الآية الكريمة النهي عن الفرح لأن الفرح والحزن أمران طبيعيان وغريزيان في الإنسان، فلا نستطيع منعه عنهما، ولكن المراد بالنهي الوارد فيها هو النهي عن الفرح المؤدي إلى الحرام والعدوان فإن قارون كان يفرح بظلم الناس والتكبر عليهم، فلقد أخبره قومه بأن الله تعالى لا يحب هذا النوع من الفرح، أما الفرح العادي فهو أمر مباح.
لقد أراد قومه نهيه عن الغي والظلم والتكبر ولكنه لم يسمع لقولهم بل بقي مصراً على كونه أفضل منهم وأعلى شأناً ومنزلة لأنه استطاع أن يجمع من المال ما لم يستطع أن يجمعه غيره وكان ذلك مصدر تكبره عليهم.
وتابع القوم وعظه ونصحه فقالوا له(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) تستطيع أن تجعل من ثروتك أداة للحصول على سعادة الدنيا والآخرة وذلك فيما إذا جمعت المال من طرق الحلال وأنفقته في الحلال.
وهذه الآية الكريمة على قصرها وقلة ألفاظها تحمل عدة معان ومفاهيم هامة فهي تشير بالإصبع إلى خمسة أمور:
الأمر الأول: الدعوة إلى كسب الآخرة عن طريق النفوذ الكبير والثروة الطائلة التي كانت بحوزته، وهذه النصائح لم يذكرها القرآن من أجل القصة أو إتمام الحكاية وإنما ذكرها من أجل أن يستفيد منها الجميع على مر العصور.
الجنة ليست للفقراء فقط بل هي للمؤمنين سواء كانوا أغنياء أم فقراء غير أن وسائل كسب الأجر لدى الغنى أكثر بكثير من وسائل الفقراء.
الأمر الثاني: وهو عبارة عن مفهوم ديني كبير قد فهمه بعض الناس خطئاً لأن بعضهم يتوهم بأن التدين والإلتزام يتمان عن طريق التخلي عن الدنيا، هناك فرق كبير بين التخلي عن الدنيا والتخلي عن زخارف الدنيا ومحرماتها.
فقد يكون زاهداً وهو يسكن بيتاً جميلاً ويأكل أجمل أنواع الطعام، يكون زاهداً إذا لم تمتلكه الشهوات والمحرمات، كثير من الناس يبيتون على الطوى ومن دون غطاء وهم مع ذلك ليسوا زهاداً لأنهم لا يتركون الحرام، فالزهد هو أن تنظر إلى هذه الحياة على أنها دار امتحان وأن تكون حذراً من سطوات الشيطان الرجيم.
الأمر الثالث: عليك أن تواجه الإحسان بالإحسان فلقد أحسن الله إليك بالعطاء، وعليك أنت أن تحسن التصرف بما أعطاك ربك.
الأمر الرابع: أن لا تفسد في الأرض بسبب قدرتك المالية فلا يعني إذا كثر مالك أن يكثر فسادك بل عليك أن تجعل من كثرة المال فرصة كبيرة لك في الحصول على الآخرة فهي أحسن وأبقى وأنفع.
الأمر الخامس: وهي النتيجة فإن الله تعالى لا يحب المفسدين ومعناه أن المفسد له عقاب شديد وهو العذاب الأليم.
عندما وعظه قومه ونصحوه ودلوه على التصرف السليم ووجهوه نحو الصراط المستقيم إزداد قارون عتواً وفساداً وتكبراً على خلق الله مدعياً أنه أفضل منهم لأنه استطاع أن يصنع ما عجزوا عنه طوال حياتهم فقد استطاع وفي فترة قصيرة من الزمن أن يجمع ثروة كبيرة أصبحت مضرباً للمثل على مر الأيام والسنين والقرون، وقد تحدث القرآن الكريم عن جواب قارون لناصحيه حيث يقول(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) لقد أجاب قومه بلهجة المتعجرف والمتكبر بهذا الجواب الذي لم يكن في محله لأن الرزاق هو الله تعالى الذي يرزق من يشاء ويقتر الرزق عمن يريد لحكمة عنده، ثم يعظنا القرآن المجيد في نفس الآية مبيناً أن الأرض قبل قارون شهدت من هو أقوى من قارون وأغنى ومع ذلك فقد أهلكهم الله وأخذهم بذنوبهم وهو قادر على أن يجعل من قارون أيضاً عبرة للمتكبرين الذين ظنوا بأنهم قادرون عليها، وتشير الآية إلى أمر خطير للغاية لو شعر به الظالمون والمتكبرون لما ظلموا وتكبروا، فلقد قال تعالى(وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) أي أن أمثال هؤلاء لا يحاسبون في يوم القيامة وإنما يدخلون النار من دون حساب، وهذا يعني أن الحكم في عذابهم مبرم ليس فيه استئناف.
كان قارون يتباهى بكل ما لديه من زينة كان يخرج على الناس بزينة لا يستطيع أحد أن يحصل على مثلها، قال تعالى(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)
وهنا انقسم الناس إلى قسمين تجاه قارون، منهم من تمنى أن يكون مكانه بغض النظر عن كونه ظالماً ومفسداً فهؤلاء أصحاب (الغاية تبرر الوسيلة) ومنهم من لم تغره زخارف الدنيا لأنه يعلم بأن ما عند الله خير وأبقى وأن كل ما في هذه الدنيا زائل عما قريب.
فأهل الدنيا قالوا بأن قارون ذو حظ عظيم، أما أهل الإيمان فقالوا إن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً، وهذا الثواب الإلهي العظيم لا يناله إلا المؤمن الصابر.
ولأن قارون كان من المفسدين الذين أرسوا قواعد الكفر والظلم وأسسوا مدارس في التعجرف والتكبر وأكل حقوف الناس فلقد استحق العذاب في الدنيا قبل الآخرة ليكون عبرة لغيره، فقد أهلكه الله تعالى وأمر الأرض بأن تنشق وتبتلعه وجميع كنوزه(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ) فمن يخلصه من الحكم الإلهي ومن هذا العذاب؟ لا أحد يقدر على ذلك وقد خسر قارون بسلوكه السيء دار الدنيا ودار الآخرة.
وهنا يزيدنا القرآن إيضاحاً حول العبرة المستفادة من هلاك قارون فبيّن لنا ماذا قال الذين تمنوا مكانه بعد أن رأوا العذاب الذي أنزله الله عليه، قال تعالى(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) يعني قالوا بالفعل إن كل الأموال وجميع الكنوز لا قيمة لها إذا لم يكن مالكها مؤمناً بالله تعالى، أين تلك الكنوز التي كانت مضرباً للمثل، وأين قارون الذي تكبر على خلق الله، وأين زينته المدهشة وأين الجواهر واللآلئ التي كانت بحوزته، كل ذلك زال بلحظة غضب نزل من الله عليه.
وهنا يعظنا القرآن الكريم فيقول(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
الشيخ علي فقيه



